عمر بن الخطاب في أرض فلسطين

عمر بن الخطاب في أرض فلسطين



عمر بن الخطاب في أرض (فلس.طين)!

د.فؤاد البنا

للفاروق عمر بن الخطاب حضور شديد في فلسطين، بحيث يحتل المركز الأول بين جميع الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا، فمن المعلوم أنه استكمل فتح بلاد الشام بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان -أي الفاروق- قد حضر إلى بيت المقدس لاستلام مفاتيحها بطلب من كبار رجال الدين المسيحي فيها، وروى مؤرخون أنه كان كلما مر بقرية في وقت صلاة صلى في مكان مناسب من أرضها، فيقوم مسلموها ببناء مسجد حيث صلى، وكانت تسمى المساجد العُمرية نسبة له، ثم تعارف أهالي فلسطين بعد ذلك على تسمية أقدم مسجد في أي مكان من مناطقها بالمسجد العمري حتى ولو كان عمره ١٠٠ سنة، كما في القرى والمساجد التي نشأت في العصر الحديث، ومن ثم فإن هناك مئات المساجد التي تحمل اسم المسجد العمري في مدن وبلدات وقرى فلسطين، بحيث لا تكاد تجد قرية ليس فيها مسجد يحمل اسم عمر أو العمري أو الفاروق، أما في البلدات والمدن فيستحيل أن يغيب اسم عمر عن مساجدها!

ولأن فلسطين أرض الرباط كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم فقد ظلت تتعرض لموجات غزو من قبل الصليبيين والمغول والاستعمار الحديث في مراحل ضعف المسلمين وتفرقهم، وظل أهالي الأرض المباركة يشعرون بالخذلان من قبل أشقائهم مما يبعث فيهم تعطشا شديدا لشخصية قيادية بقوة الفاروق عمر وعبقريته العقلية والإدارية وبالأخلاق الفاضلة التي تضبط سياسته وسلوكه ومشاعر المسؤولية التي تملأ جوانحه، فعبّروا عن هذا التعطش من خلال أسماء مساجدهم التي تحمل اسم عمر بن الخطاب أو الفاروق، وفي المدن الكبيرة تجد أحيانا في نفس المدينة عددا من المساجد التي تحمل اسم المسجد العمري والفاروق وعمر بن الخطاب، ويضاف أحيانا اسم الحي كي يتم التفريق بين المساجد التي تحمل نفس الاسم في ذات المدينة أو البلدة الواحدة!

ومن الواضح أن أهل فلسطين يعشقون بقوة شخصية عمر القوية، فهو الذي لقبه النبي صلى الله عليه وسلم بالفاروق لتفريقه الحاسم بين الحق والباطل، وانتقاله بالجماعة المسلمة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة إظهار أسباب القوة الناعمة، فقد دشن بإسلامه مرحلة توازن القوة بعد ست سنين من الاضطهاد الشديد، وكان مسدداً لدرجة أن القرآن وافقه في حوالي عشرين موضعا كما رواها السيوطي في كتابه (تأريخ الخلفاء)، بل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو كان هناك نبي بعده لكان عمر!

وها هي الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة تسلك طريق عمر بالنسبة للحركات الإسلامية، من خلال استخدام القوة لرد اعتداء الأعداء الذين بالغوا كثيرا في القتل والتنكيل وفي انتهاك المقدسات والكرامات، ولم يزدهم صبر الإسلاميين إلا عتوا وإجراما!

وكما استلهم الصحابة الكرام تجربة عمر وساروا في طريقه المستكثر من أسباب القوة والاستعداد لأسوأ الاحتمالات، ينبغي على الحركات الإسلامية اليوم أن تستلهم التجربة الفلسطينية بمنظومتها الشاملة، وخاصة ما نحن بصدده هنا، وهو الانسلاك في طريق الامتلاك لكافة مقاليد القوة الممكنة، وتأتي في مقدمتها القوة المالية والإعلامية، مع مراعاة الفروق الاجتماعية والسياسية بين البلدان والمجتمعات بالطبع، فإن الاستنساخ التام ضرره أكبر من نفعه.

وأخيرا نسأل الله أن يرزق أمة محمد صلى الله عليه وسلم قائدا بهَمّ عمر وهمته، وأن ينصر المرابطين في ثغور الأمة بما يشاء وكيفما يشاء، وأن يرينا في المجرمين ما تقر به الأعين ويثلج الصدور.

x