زمن اليقين مقال رائع للاستاذ ممدوح الحميري

زمن اليقين مقال رائع للاستاذ ممدوح الحميري



زمن اليقين

عندما تضطرب الأوضاع بشكل يبعث على فقدان الرؤية والاتزان لدى العامة؛ يكون ذلك الوقت تحديدا هو زمن اليقين التام بالنصر شرط الإيمان بالقضايا والثقة براعيها ومؤيدها وتسليم الزمام إليه

(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)[ اﻷحزاب 22] فلم تشهد الأمة في تاريخها انتصارا رخوا ولا مشوبا بتخليط وارتهان، ولهذا يوالي الله على الأمة الوقوع في لحظات الحرج ليستخرج منها اتكالها على غيره ويطهرها من الخبث الذي تسلل بين صفوفها ذات غفلة (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)[آل عمران 179].

ينظر المتعجلون إلى صورة المشهد الظاهرة فيأخذهم جزء الصورة الشائه عن جمال المشهد الذي صنعه الابتلاء حين أعفاهم من عبء التذاكي وهم التدبير فأعطاهم عوضا عن ذلك راحة التوكل على الله وجائزة النقاء من شوائب النفوس التي تباعد بينهم وبين النصر (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)[ التوبة 25]، فلما خرجوا من وهم السيطرة أعطاهم مدد السكينة وجند التأييد فصنع لهم نصرا بلا عناء وشموخا بالذل له لا يصحبه انحناء.

وفي زمن اليقين لا بد من إعلان نتائج الاصطفاء على جموع المؤمنين ليتخار منهم من شاء أن يكون في زمرة الباقين على عهد الكرامة حتى الغلبة أو بلوغ أمنية الشهادة فهي الكرامة كلها وزيادة.

فانظر كيف اصطفى الله لمن طلبوا ميدانا وقائدا (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)[ البقرة 246]، فلما بعث الله من اصطفى لمهمة القيادة

(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[ البقرة 247]، وعرض المصطفى مراحل الطريق لمن تطلع لذات المنصب والمهمة، سقط الكثيرون وبقي أهل القمة للحظة التكريم بالنصر(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)[ البقرة 249]

فكان للثابتين أن غلبوا على قلتهم جموع الأعداء

(فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)

[البقرة 251].

ليكون للاحق في سنن السابقين إلى الفضل عبرة لمن ثبت في ميدان التدافع على طريق الفضل وتلك نعمة الله أكرم بها الوطنيين الأنقياء وحرم منها الملوثين العملاء.

فإلى ميادين العمل بعزم ويقين ولن يغلب عسر يسرين.

#ممدوح_الحميري

x