مسجد التعاون في مدينة بونشاك في جمهورية اندونيسيا 3

مسجد التعاون في مدينة بونشاك في جمهورية اندونيسيا 3



مسجد (التعاون) في مدينة بونشاك بجمهورية إندونيسيا.

أ.د.فؤاد البنا

يقع هذا المسجد المدهش في قرية بالقرب من مدينة بونشاك التي تعد من أجمل وأكبر المدن الإندونيسية، وقد انغرس المسجد في مكان منقطع النظير بسبب ما يحظى به من طبيعة ساحرة وجمال خلاب، حيث تم تشييده في تلة بجور على ارتفاع ٢٠٠٠م وبالقرب من حافة طريق سريع، حتى يصلي فيه العاملون في مزارع الشاي التي تملأ هذه المنطقة الواقعة في غرب جزيرة جاوة وليست بعيدة عن العاصمة جاكرتا. وسمي بمسجد التعاون لقيام العمال والشركة التي توظفهم في حصد الشاي بالتعاون ماليا من أجل بنائه!

تعود نواته الأولى إلى عام ١٩٨٧م، لكنه كان صغيرا وبالكاد يستوعب العمال، لكن كثيرا من المسافرين كانوا يتوقفون للصلاة فيه نظرا لجماله الفريد ووقوعه في منطقة مرتفعة تطل على مزارع الشاي الخلابة، ومجاورته لعدد من الشلالات الجذابة، فتعاونت الشركة مع عمالها في بناء مسجد أكبر وهو هذا المسجد الذي تم افتتاحه عام ١٩٩٧م.

تم تصميم المسجد من قبل خبراء معروفين في الهندسة المعمارية، وقد أعد تصميم مركب من عدد من الأنماط المعمارية ليليق جماله بهذا الجمال الذي سكبه الوهاب في هذه المنطقة وكأنها قطعة فردوسية انفصلت عن الفردوس السماوي وسقطت منه!

يتم الصعود إلى هذه التحفة المسجدية من الطريق السريع، عبر سلم حجري طويل لكن من يسلكه لا يود أن ينتهي أبدا، نتيجة انغمار التلال والمدرجات المحيطة به بمزارع الشاي الأخضر الفاتنة، مع غرق الطبيعة في جميع الاتجاهات بخضرة غير متناهية ولا يحدها إلا الضباب الأبيض حينما يأتي بين الحين والآخر فيحجبها لتعود أكثر خلابةً وسحرا!

وكما رأيت في فيديو عن هذا المسجد، فإن الزائر قبل أن يصل إلى المسجد بأمتار قليلة لا بد أن يستعد لدخوله وهو نظيف تماما، عبر تمرير قدميه داخل الشلال الذي يعزف موسيقى ساحرة ويرتل ترانيم مبهرة، ثم يضع حذاءه وما يحمل داخل صندوق الأمانات!

وكم يمتلئ المرء بالدهشة وهو يقف في حضرة هذا المعلم الرائع، حيث يصل إلى حديقة زاهية بكل ما يسر الأعين ويسبي القلوب، ثم يرفع رأسه ليرى الهيكل المرتفع للمسجد ببوابته الفخمة والمهابة، والذي يتكون من ٣ طوابق وصرح في الوسط يتخذ منها الزوار استراحة، ويتضمن المبنى مصليين للرجال والنساء وأقساما تتصل برسالة المسجد نحو أبناء هذه المنطقة!

وتسقف المبنى قبة ضخمة تشبه المظلة أو حبة الفطر، وصممت بطريقة لا نظير لها بين المساجد، وترتفع بجانب هيكل المسجد مئذنة على شكل برج مربع وعريض، ويبلغ ارتفاعها قرابة ٨ أدوار، والمبنى كله مبني من الحديد والزجاج الشفاف الذي يسمح للمرء بالعيش وسط محراب الطبيعة رغم أنه داخل محراب المسجد!

والعجيب أنه يوجد في أحد أبهاء المسجد طبل ضخم جدا، حيث يقوم بعض القائمين على المسجد بالضرب عليه بطريقة محددة ومعلومة قبل الأذان للصلاة، وكأنه يقول لهم قوموا للوضوء، فلا ينادي المؤذن إلا وقد تجهزوا للذهاب إلى المساجد، وهذه العادة موجودة في عدد غير قليل من مساجد إندونيسيا التي تزيد عن ٨٠٠ ألف مسجد!

وتحيط بالمسجد حدائق ذات بهجة تزخر بالورود والأزهار الزاهية، وتزدان بعدد من البرك المنتشية بأعداد من الأسماك الملونة، وبجانبها يتدفق شلالان شديدا النقاوة والعذوبة، إذ ينبعان من قلب الجبل المكسو بخضرة كثيفة في كل موضع إصبع منه، ويهويان بطريقة مذهلة في مجرى واحد نحو الأسفل!

وما أروع أن يقف المرء في هذا المكان السامق والساحر، وهو يتأمل مزارع الشاي الخلابة والممتدة بلا حساب إلى حيث يعجز البصر عن المتابعة، فيتناهى إلى سمعه صوت الأذان الممتزج بصوت الشلال المتدفق ورقرقة الجداول ويختلط بزقزقة العصافير وشدو الطيور المتنوعة؛ فتنشأ (سيمفونية) ساحرة وذات قدرة خارقة على التغلغل في ثنايا الوجدان، لتسبي مشاعره وتأسر أحاسيسه، ولتملأ جوانحه ببهجة فياضة وسعادة غامرة!

x