"> «من المدرجات إلى المنصات».. هكذا تحولت كرة القدم إلى وسيلة للهروب من الواقع - مسا بوست

«من المدرجات إلى المنصات».. هكذا تحولت كرة القدم إلى وسيلة للهروب من الواقع

عذراً على المقدمة المملَّة
التقليدية، لكن دعني أخبرك أن كرة القدم في العقود القليلة الماضية لها أبعاد
كثيرة غير البعد الرياضي البحت المتعلق بالفنيات وتكتيكات اللعب المختلفة
والجماهير الحاضرة في جنبات الملعب. وإن هذه الأبعاد الأخرى قد اكتسبت أبعاداً
أكثر وازدادت تشعباً، حتى صار المرء منا ينسى أن كرة القدم تلعب في المستطيل
الأخضر، لا في استوديوهات التحليل أو غرف الساسة المغلقة أو مقرات الأمن أو وسائل
التواصل الاجتماعي.

على
سبيل المثال، لكرة القدم في مصر بُعدٌ أمني شديد الوضوح والتأثير على مجريات
المنظومة الكروية، ويصل تأثيره لكل تفصيلة وجزئية في اللعبة؛ لأن الأمن المصري هو
صاحب قرار منع حضور الجماهير في بطولة الدوري، 18 فريقاً محرومة من دعم جماهيرها
لأسباب أمنية. ومنظومة الأمن هي التي تحدد أماكن ومواعيد مباريات البطولة أيضاً،
جدول مباريات الدوري المصري لا يتم جدولته في مقر اتحاد الكرة، ولكن في مقر وزارة
الداخلية.

الأمر
لا يتم بهذا الوضوح بالتأكيد؛ إذ يسمح لاتحاد الكرة المصري بعقد مؤتمر صحفي يدعو
فيه وسائل الإعلام لحضور مراسم قرعة الدوري المصري، ومن ثَم يبدأ الأمن في رفض
إقامة هذه المباراة في ذلك الموعد لأسباب أمنية، أو تغيير ملعب تلك المباراة
لدواعٍ أمنية أخرى؛ ليتساءل المشاهد المصري: لماذا لا ينتقل مقر اتحاد الكرة إلى
وزارة الداخلية؟

دعنا
الآن من الكرة المصرية ودواعيها الأمنية التي لا تنتهي ولا يبدو لحاضرها تحسناً.
يمكن أن ترى البُعد السياسي لكرة القدم بسهولة جداً، فترى الأنظمة السياسية
المختلفة تستغلها أيما استغلال لتسوق لنفسها عبر نجاحات المنتخب الوطني للدولة.

المستشارة
الألمانية أنجلينا ميركل لا تتوانى عن حضور مباريات المنتخب الألماني في كافة
المحافل الدولية والتفاعل مع مجريات المباراة كمشجعة متيَّمة بكرة القدم منذ الصغر
في لقطات تزيد من شعبيتها وتقربها من قلوب الشعب الألماني وتشعرهم بأن المستشارة
واحدة منهم.

والبُعد
اجتماعي والجيوغرافي حاضر في عالم الكرة منذ نشأتها، فترى كل المناطق المختلفة
داخل الدولة الواحدة، تؤسس أنديتها التي تعبر عنها، فاتحاد جدة هو الممثل الشرعي
لجدة، وبرشلونة هو المتحدث باسم كتالونيا، والنجم الساحلي يتكلم باسم سوسة في تونس
وهكذا، وهذا النادي يُتعصب له ويُفدَّى بالحناجر والأموال والدماء إن تطلَّب الأمر.

لكن
في العقدين الماضيين الأخيرين دخل عاملان جديدان إلى المنظومة التقليدية لكرة
القدم هما:

العامل
الأول هو التوسع الهائل في كرة القدم كصناعة وضخ مبالغ خرافية لم تشهدها كرة القدم
من قبل، سواء كانت هذه الأموال إماراتية أو قطرية أو روسية. ومع ضخ المزيد من
الأموال وكسر كل أرقام الإنفاق القياسية على مر التاريخ وتضاعف أسعار احتكار
البطولات العالمية صارت كرة القدم صناعة تقدَّر بالمليارات يعمل في داخل ماكيناتها
ملايين البشر.

 هذا
التوسع ببساطة يعني أن الكرة صارت تحتاج إلى سوق أكبر ومستهلكين أكثر، مما
يوجب  توسيع رقعة المهتمين بكرة القدم مضاعفة أعدادهم حتى تتم تغطية كل هذه
التكاليف حتى وإن كان ذلك على حساب اللعبة ذاتها، ولو تطلب الأمر إدخال شرائح لا
تعرف أبسط قواعد اللعبة ولم تسِر في طريق استاد يوماً ما. ولا مثال على ذلك أوضح
من لعبة «الفانتازي» التي يمارس نسخة الدوري الإنجليزي منه فقط 6 ملايين مستخدم،
ناهيك عن باقي الدوريات والبطولات العالمية والمحلية.  

العامل
الثاني، وهو مختص بالعالم العربي في السنوات الأخيرة، يتعلق بكم الإخفاقات
المجتمعية والسياسية في بلداننا

 فبعد
تدحرج الموجة الأولى من الربيع العربي إلى مربع الفشل، سادت حالة من اليأس
والإحباط بين قطاعات كبيرة من الشباب العربي، ما انعكس في ارتفاع معدلات المرض
النفسي ومحاولات الانتحار والهجرة.  هذا الفشل الآني لثورات شعوب ما تحت
المتوسط أدى إلى هجرة فعلية وهجران شعوري لكل ما يتعلق بالمجال العام والتوجه نحو
كل ما هو خاص. فإذا كان الخلاص الجماعي مستحيلاً، فلنحاول إيجاد منفذ أو معبر صغير
نحو الخلاص الفرديّ.

هذا
الانسحاب كان يعني أن هؤلاء الشباب سيتجهون نحو  مساحات مجتمعية جديدة
يحاولون ملأها والسيطرة عليها والانتصار فيها وفق قواعدها ولا يهم، وإن كانت هذه
المساحات افتراضية مثل مجتمع  كرة القدم على منصات التواصل الاجتماعي حيث  لا يتعدى دورهم دور المشاهدة أو الناقد والمحلل
في أفضل الأحوال على عكس دورهم إبان الثورات والمظاهرات، حينما كانوا أحد الفاعلين
الرئيسيين ورقم صعب في المعادلة. لكن هذا لم يعد مهماً أو أولوية لهم، لأنهم
يبحثون عن  عالم لا يخسرون فيه دائماً، فلو كانت كرة القدم «يوم لك ويوم
عليك»، فهذا اتفاق لا يبدو سيئًا بالنسبة لهم على الإطلاق.

من
تقاطعات  العاملين الأول والثاني، نشأت ثقافة جديدة في المجتمع بشكل عام ولها
تجليات عنيفة في كرة القدم بشكل خاص، نرصد منها هنا  ثقافة «قصف
الجبهة».  هذه الثقافة أو الظاهرة تضيف
بعداً جديداً إلى عالم كرة القدم، إذ إنها تتجاوز الأبعاد السياسية والاجتماعية
والاقتصادية لتضيف بعداً شخصياً محضاً.

ففي
هذه الثقافة لا مكان لفهم كرة والقدم واستيعابها باعتبارها أمراً ترفيهياً، فلا
مكان لمفاهيم  المتعة والإثارة والندية والتشويق، لكنها ثقافة معنية بفوز
فريقـي، والانتصار له ظالماً أو مظلوماً، والدفاع عن نجم الفريق والذود عنه بما
يصح ولا يصح وبأي طريقة ممكنة.  

المهم
أن يفوز فريقي في المباراة وأن أفوز أنا في معركتي مع الأوغاد مشجعي الغريم على
فيسبوك أو تويتر،  كي يطلق لي العنان وأقوم بالسخرية والاستهزاء وصناعة
«الكوميكس» التي تهزأ منهم حتى أستطيع «قصف جبهتهم»، فيما يسمى بالحفلات.

ولأن
الكرة يوم لك ويوم عليك وقد تعطيك ظهرها في أي وقت، فإن الذي يسخر اليوم هو مادة
سخرية الغد. وهكذا دواليك، حتى يُنسى الهدف الأصلي من مشاهدة كرة القدم، وتنقلب
الكرة من لعبة ترفيهية ممتعة إلى دوامة سخيفة من الحفلات والحفلات المضادة على
وسائل التواصل الاجتماعي فتفقد اللعبة معناها ومغزاها من المتعة والمنافسة الشريفة
والروح الرياضية إلى شيء براغماتي لا طعم له ولا رائحة، إذ لا يهم كيف فاز فريقي
أو كيف كان أداؤه، المهم أنه فاز وأنني انتصرت!

تمنح
حفلات السخرية والقصف والقصف المضاد المشتركين فيها حساً ذاتياً منعشاً للغاية
ومشبعاً بدرجات عالية من رضا الـ «أنا» خاصة عندما يفوز فريقهم؛  إذ إن
القاصف  انتصر على أعدائه الأوغاد في عالم
السوشيال الميديا دون أن تتساقط نقطة عرق من جبينه. لكن وفي نفس الوقت فإنها تقلب
ليلة خسارة فريقه إلى جحيم، فهو المهزوم وليس اللاعبين.

 هذه
الثقافة تجعل الكرة عبارة عن بالونة كبيرة جداً فهي تفرغها من محتواها الأصلي قبل
أن تعطيها حجمها أكبر  بكثير من حجمها الأصلي، حجماً أكبر مما يعطيه اللاعبون
والمدربون أنفسهم لها.

يقول
يورجن كلوب، أحد أفضل المدربين المعاصرين، في هذا السياق، إن كرة القدم لا توقف
الحروب ولا تعالج المرضى، كل ما تقوم به هي أنها تجعل الناس ينسون همومهم لمدة 90
دقيقة. إذاً الأمر بسيط للغاية ولا داعي لكل هذه الحروب والتشنجات التي لا قيمة
لها.

ولا
أوضح على عملية تفريغ الكرة من محتواها مثل تحول عملية التقييم الفني التي كانت
تبنى على عوامل فنية تتعلق بأداء اللاعب في المباريات وإحصائياته وأخرى سلوكية
وانضباطية مثل التزامه بحضور التدريبات في موعدها وعلاقته بزملائه في الفريق. أما
الآن  فصار الأمر مختلفاً تماماً، حيث ترى مشجعات هذا الفريق يتباهين بعيون
ذلك اللاعب أو تصفيفة شعر لاعب آخر أو ينشرن صورة لاعب مع زوجته ويتحدثن عن طيبة
وحنية اللاعب أو أن هذا اللاعب لديه «جرينتا» خارقة ويحب الفريق بشدة -الحقيقة إن
دفع لي أحدهم 5 ملايين جنيه سنوياً فلن أستطيع أن أكرهه أبداً-.

كل
هذه العوامل وما انبنى عليها أخرجت كرة القدم من المستطيل الأخضر وغرف تغيير
الملابس إلى مواقع التواصل الاجتماعي وجعلتها شيئاً ماسخاً لا طعم له ولا رائحة
ولا يبدو أن هناك حلاً يلوح في الأفق.

ومما
زاد الطين بلة، الجموع الجديدة الذين دخلوا عالم الكرة ولا ناقة ولا جمل فيها، سوى
أنهم يريدون الهرب من جحيم حياتهم أو يبحثون عن شيء يقتلون به فراغهم. هؤلاء تراهم
يشجعون الأقوى أو الأكثر شعبية أو يلتفون حول لاعب بعينه يشجعونه أينما حل وارتحل
وقد تراهم يشجعون فرقاً مغمورة؛ لكي يقولوا لك بطريقة غير مباشرة «انظر، ألا ترى
كم نحن مميزون؟» المهم أن يكون لهم نصيب من الحفلات.

scroll to top