فيلم ملهم ومحبط في الوقت نفسه.. كواليس تسجيل وثائقي في السعودية عن قيادة المرأة للسيارات

مع اقتراب عرض فيلم Saudi Women’s Driving School الذي يُبث على شبكة HBO هذا الأسبوع، يبدو الوثائقي أقرب إلى الإعلانات التجارية. مشاهد
العاصمة الرياض، والصحراء الخلابة مترامية الأطراف التي تحضنها هضاب رملية،
تخترقها سيارة هيونداي سوداء مثل الشهاب، في مشهد جدير بأحد إعلانات السيارات.
وتقود السيارة عبر الصحراء شهد الحميزي، بملامح واثقة، مرتدية نظارة شمسية.

جلوس امرأة، بهذه الثقة،
خلف عجلة القيادة ليس صورة من الصور المألوفة في المملكة العربية السعودية، وربما
كانت تفرض على صاحبتها عقوبات من قِبل الدولة قبل يونيو/حزيران 2018، عندما رفع الملك سلمان رسمياً الحظر الذي فرضته البلاد عقوداً طويلة على قيادة الإناث للسيارات.
ولكن يسعى الوثائقي Saudi Women’s Driving School إلى الكشف عن قصص مثل
قصة شهد الحميزي، التي لا تتماشى مع الأخبار السريعة، وازدياد عدد النساء اللاتي
بدأن تجربة قيادة السيارات في شوارع السعودية، بحسب تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

على صعيد الدولة، تبدو
إزالة الحظر عن قيادة الإناث للسيارات خطوة تقدمية نادرة في البلد الذي أثارت
قبضته القمعية وسلطاته التحكمية غضباً دولياً؛ يذكر الفيلم أنه قبل خمسة أسابيع من
رفع الحظر، أُلقي القبض على 10 ناشطات على الأقل طالبن علانيةً بالتغيير، ووصفتهن الصحف الحكومية بـ «الخائنات». وقبل شهور من رفع الحظر، أثارت جريمة الاغتيال الوحشية للصحفي
جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، والتي ألقى فيها تقرير مجلس الأمن اللوم على وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان- إدانة دولية واسعة النطاق،
إلى جانب الحرب التي فرضتها السعودية على جارتها اليمن؛ والتي تسببت في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية بالعقد الحالي.

حق ولكن
ليس حدثاً بسيطاً

ومع ذلك،
كما يوضح فيلم Saudi Women’s Driving School، فإن إلغاء الحظر المفروض على قيادة النساء
للسيارات ليس بالحدث البسيط أو الصغير لكثير من النساء في المملكة، إذ يفتح ذلك
أمامهن فرصاً جديدة للعمل والتنقل. قالت إريكا غورنال، مخرجة الفيلم، لصحيفة The Guardian: «شعرت بأن معرفتي بالمملكة العربية
السعودية تقتصر على كثير من التقارير في وسائل الإعلام الغربية فقط. أردت الذهاب
إلى هناك ومقابلة هؤلاء النساء اللاتي نسمع عنهن في نشرات الأخبار».

وانضمت غورنال، التي أسهمت
وأخرجت عديداً من المشروعات الوثائقية لشبكة BBC2، إلى فريق عمل فيلم Saudi
Women’s
Driving School في مرحلة متأخر نسبياً، قبل أسابيع قليلة من مغادرة الفريق إلى
الرياض. وتمكن المنتجان نيك لندن وفيونا ستورتون من الحصول على تأشيرة وتصريح
بالتصوير، وهو أمر نادر للغاية في المملكة، استناداً إلى التركيز المحدود لمشروعهما،
في عملية بدأت بالأسابيع التالية لإعلان الملك سلمان رفع الحظر عن قيادة النساء
للسيارات في خريف 2017.

وصل طاقم العمل إلى
السعودية في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2018، وصوروا بشكل متقطع على مدار ثلاثة
أشهر. وقالت غورنال: «اعتمد الفريق، معظم الوقت، على معداته الخاصة، إلى جانب
عديد من الأمور الأخرى التي ذكّرتنا بأن صناعة الأفلام أمر جديد تماماً في هذا البلد،
وهو الأمر الذي يجب أن ننتبه إليه جيداً». على سبيل المثال، تسببت المخرجة
دون قصد في مشكلة وثورة غضب من العامة، بسبب تصويرها بمفردها خارج مقهى مزدحم.
ولكن بشكل عام، كما ذكرت غورنال، كانت تجربة التصوير في السعودية أسهل بكثير مما
كانت تتخيل. 

من داخل
مدارس تعليم القيادة

كان المحور الرئيسي لتصوير
الفيلم هو مدرسة تعليم قيادة السيارات للنساء السعوديات في الرياض، والتي جاء اسم
الفيلم منها، متاهة متداخلة من السائقات الجدد والمدربات في سيارات بيضاء، وبوابة
لإصدار شهادات الترخيص للسائقات الطامحات. وتابعت غورنال وطاقم العمل عديداً من
النساء ذوات قدرات ومستويات مختلفة في قيادة السيارات. بالنسبة لبعضهن، مثل سارة
صالح، التي تعمل في معرض للسيارات ولكن لم يكن بإمكانها قيادة السيارات، تمثّل
رخصة القيادة لها حرية التنقل والفرصة في قيادة المنتجات التي تبيعها. بينما
بالنسبة لنساء -مثل أمجاد العمري سائقة السباقات، وشهد الحميزي سائقة أوبر- يمثِّل
إلغاء الحظر فرصاً مهنية لهن. 

وبدأت
أمجاد العمري، التي قدمها سعودي ضمن أفراد طاقم العمل إلى غورنال، تعلّم قيادة
السيارات قبل وقت طويل من رفع الحظر؛ والآن تظهر بشكل لافت للنظر في مضمار السباق،
تستعرض بسيارتها، وتتجنب التشتت في المنعطفات. وقالت غورنال: «امتلاك هذا
الطموح بعد سنوات وسنوات من الرفض والعوائق والحواجز، يُظهر لنا معدن هذه الفتاة،
إنها واحدة من هؤلاء النساء اللاتي يمكنهن التعامل مع الصعاب».

السعودية سارة صالح/ الغارديان

وأضافت غورنال:
«مقابلة نساء مثل أمجاد وشهد أذهلتني على المستوى الشخصي، كانا مثالاً ورمزاً
لعديد من النساء المتمردات اللاتي التقيناهن».

ولكن هذا التمرد يصطدم
بمعارضة قوية من الدولة. وتماشياً مع تركيز الفيلم على نطاق محدود، يتناول فيلم Saudi
Women’s
Driving School قضية قيادة النساء للسيارات، وحقوق النساء بشكل أكبر، في محادثات
فردية ومناقشات عائلية. في واحد من أقوى مشاهد الفيلم، تُقِلّ شهد الحميزي، سائقة
أوبر، راكباً عشوائياً في سيارتها لم يركب من قبلُ مع سائقة أنثى. وتطرح عليه
موضوع حقوق المرأة بشكل عرضي وحازم في الوقت نفسه، مع ابتسامة ثقة. وسألته إن كان
يدعم التغيير. أجاب بثقة بأنه يدعم التغيير، ولكن إلى مرحلة ما؛ قال إنه لا يعارض
المساواة ولكنه يخاف مما قد يحدث بسبب «طبيعة المرأة العاطفية». 

ركّزت شهد الحميزي في
طريقها، وأوصلته إلى وجهته. فقال لها: «رعاكِ الله. لقد استمتعت حقاً
بقيادتكن بعد أن كنت خائفاً في البداية». 

كيف ينظرون
إلى رفع الحظر؟

كان هذا الرجل أحد
المشاركين المجهولين العديدين الذين عملت غورنال وطاقم الفيلم على ركوبهم سيارة
شهد الحميزي، أو مناقشة أفكارهم وآرائهم حول قرار رفع الحظر. وقالت غورنال عن ذلك،
إنها كانت «أكثر مجموعة من المقابلات المحبطة التي أجريتها في حياتي المهنية
حتى الآن».

أمجاد العمري/ الجارديان

قالت غورنال عن مشاهد أوبر
بشكل خاص: «دائماً ما يحاول صانع الأفلام أخذ الأمور على محمل شخصي، فهذا
العمل لا يدور عنّي. ولكن ذلك كان تحدّياً صعباً وكبيراً بالنسبة لي، لأنني، قبل
كل شيء، امرأة». وأضافت: «هذه الكراهية غير المعتادة للنساء، والتي
يُعبِّر عنها المجتمع بمنتهى الثقة والبساطة على أنها أمر طبيعي، أحبطتني. ليس لي،
ولكن لنساء مثل شهد وأمجاد، اللتين على الأرجح أقوى امرأتين قابلتهما في حياتي رغم
كل ما مرتا به من عقبات. عندما أجد أناساً يستخفون بهما، فهذا محبط بكل
تأكيد». 

وقالت غورنال إن هذا التحيز
الصريح الفظّ الذي ظهر في المحادثات ضد المرأة، مزعج جداً. وقالت إن أحد الرجال
الذين ظهروا في الفيلم، من خلال تعليق صوتي، دعم رفع الحظر المفروض على قيادة
المرأة للسيارات، ولكنه مع ذلك لن يسمح لزوجته بقيادة السيارة، لأنه لا يريد أن
يراها رجال آخرون. وقالت: «الفارق في الولايات المتحدة وبريطانيا أنه لا يمكن
أن يصرح أحد بتلك الأفكار في وجه امرأة».

بعض الحقوق
مسلوبة

ولا تزال حقوق المرأة في
السعودية محدودة للغاية؛ ذكر الفيلم الوثائقي أنه في وقت التصوير، كان لا يزال
الرجال يحتفظون بما يسمى حق الوصاية على النساء، وهو ما يعني عدم إمكانية سفر المرأة من دون إذن وليّها الذكر. وأُلغيت الوصاية في يوليو/تموز 2019، إلا أن النساء لا يزلن بحاجة إلى إذن
وليّهن من أجل الزواج.

وقالت غورنال إنها كانت
حريصة، برغم كل شيء، على عدم التقليل من شأن النساء السعوديات. وقالت: «وجدت
فكرة أنهن لم يقدن سيارات قبل إلغاء الحظر، ثم أصبح بإمكانهن ذلك، مُسليةً بعض
الشيء، ولكن لها أيضاً أبعاد أخرى».

واعترفت غورنال بأنَّ كسر
القواعد في البلاد الاستبدادية لا يزال يؤدي في كثير من الأحيان، إلى عقوبات
قاسية. لا تزال الناشطة لُجين الهذلول، التي قادت سيارتها قبل إنهاء الحظر وظهرت في الفيلم تنادي بحصول
المرأة على قدر أكبر من الحقوق، بالسجن. ويشير الفيلم إلى أن حصول هبة صالح على
رخصة القيادة، ومحادثات شهد الحميزي مع ركّاب أوبر، ووجود أمجاد العمري الشجاع على
مضمار السباق، جميعها خطوات صغيرة على طريق التقدم، وإنجازات تستحق الاحتفال،
وربما تدل على مستقبل أكثر تحرراً للمرأة السعودية. وقالت غورنال: «أريد أن
أكون متفائلة بشأن مستقبل النساء السعوديات اللاتي ظهرن في الفيلم. ولكن لا أعتقد
أن تلك البذور لديها أي فرصة في النمو من دون مزيد من التغيير على مستويات
أكبر».

عُرض فيلم Saudi
Women’s
Driving School لأول مرة على شبكة HBO يوم الأربعاء 24 أكتوبر/تشرين الأول،
وببريطانيا في تاريخ لاحق. 

scroll to top