صهاريج عدن.. هدية ملوك سبأ المعلقة بين الجبال التي تعمل منذ 35 قرنًا

صهاريج عدن.. هدية ملوك سبأ المعلقة بين الجبال التي تعمل منذ 35 قرنًا



لا تعد صهاريج عدن مجرد معلم بارز للمدينة، أو موقع شاهد على تاريخها، بل تعتبر الروح السرية لمدينة عدن، التي كل ما اشتدت بالمدينة المحن تأتي لترتوي منها.

“كانت إحدى عجائب الدنيا السبع لولا التغييرات التي أجراها الانجليز”، بتلك الكلمات وصف خالد الرباطي مدير عام الصهاريج قصة إنشائها، مبينًا أن أية من آيات الهندسة القديمة، ولا زال البناء يشهد على ذلك، فحضارة سبأ عندما وصلت لميناء عدن في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ووجدت أن السكان لا يستفيدون بمياة الأمطار أمرت ببناء الصهاريج.

وعندما انقضت مملكة سبأ قامت على أنقاضها مملكة حمير، والتي طورت الصهاريج ووصلت في عهدها إلى 52 صهريج، وهي الدولة التي استمرت إلى قبيل دخول الإسلام.

*الإنقاذ الإنجليزي
وذكر الرباطي لـ”الفجر”، أنه في العصر الإسلامي طمرت تلك الصهاريخ شيئا فشيئا، وقل استخدام الناس لها، وعندما جاء المحتل البريطاني إلى عدن كان المياة تجلب من الوديان الموجودة في منطقة الشيخ عثمان، ولكن نتيجة للمقاومة الوطنية للمحتل في الشيخ عثمان وعمليات الكر والفر، لم تعد تأتي احتياجات الجيش الانجليزي من الماء، ولذلك قام البريطانيون بتطهير وتنقية الصهاريج وإعادتها للحياة مرة أخرى، بل وقاموا ببيع الماء للسكان المحليين.

هذا ولم تزل الصهاريج تنبض بالحياة كما كانت في الماضي، فذلك الأثر الذي بني من أكثر من 35 قرن لا يزال يغذي المدينة بالمياة عبر الآبار الجوفية المتصلة به المساجد وكثير من البيوت، التي تعتمد على الآبار والتي ولكن المساحات المكشوفة كانت تستخدم لشرب الدواب والاستحمام، وتؤدي دور لا يقل خطورة عنه وهو حماية مدينة عدن من الفيضانات التي قد تسببها الأمطار الغزيرة وعددهم الحالي 18 صهريج، حسبما ذكر الرباطي.

*معجزة هندسية
وتطرق مدير عام الصهاريج إلي أعجازها الهندسي، والذي ينقسم لشقين الأول في جلب المياة للصهاريج، والثاني في كيفية ملئها؛ حيث كانت الحاجة أم الاختراع فعندما وجد القدماء أن المياة تتجمع على الهضبة وتنزل عبر 3 أودية هم “الخساف والطويلة والعيدروس”، ووجدوا أن أكبر كمية ماء تأتي عبر وادي الطويلة خاصة في موسم الأمطار، شرعوا في تخزين المياة عبر عمل سدود في الاعلى لتهدئة تدفق الماء حتى تصل لمنطقة الصهاريج عبر وادي الطويلة.

بينما تتلخص هندسة الصهاريج نفسها عبر آلية الملئ الذاتي “أوفر لود” أي عندما يملئ خزان يفرغ فصلاته في الذي يليه ثم الذي يليه، وكان آخر خزان بتلك السلسلة هو المطمور تحت منطقة البنوك وجولة الفل، وكان يعتبر أكبر صهريج بهم.

أظهر مدير عام الصهاريج سر أخر عن هذا البناء الفريد، ألا وهو سر حمايته من التشقق والتصدع، والذي يكمن في مادة بناء الصهاريج، هي عبارة عن رماد بركاني تخلط مع النورة البيضاء وبعض الحجارة الصغيرة وهي درجة صلاحيتها ومقاومتها للماء إلى اليوم، وإذا عطب فيها جزء يمكنك أن نزيله وتطع بدلا منه، وذلك لأنها شكلت تحت درجة حرارة وضغط عالي جدًا، وحاول الإنجليز إعادة إنتاجها ولكن لم تكن بجودة المادة التي صنعها القدماء.

وأضاف الرباطي، أن تسمية صهاريج لم تأتي صدفة بل عبر تشبيهها بصهاريج النفط، كناية عن حجمها الضخم، وتخزينها لكميات كبيرة من الماء على عكس الآبار الجوفية أو طرق التخزين الأخرى.

*جولة في الصهاريج
تبدأ رحلة في الصهاريج مع واحد منها غير واضح المعالم ولكن خالي من الماء، لتواصل سيرك داخل المنطقة الأثرية لتصل الي سلم يعلوه قبة.

*الدين والمياة
ترتبط المياة ارتباط وثيق بالدين لدي الإنسان، لا يخلوا تخطيط الصهريج من جانب ديني، وكان اليمنيون القدماء يعبدون الثالوث الشمس والقمر والنجوم، وتجد هذا التمثيل الديني في القبة الموجودة في الصهريج الأكبر، والتي تحتوي علي محرابان الاولى تتجه لشروق الشمس والثاني لكوكب الزهرة، وهو مخصص للصلاة عندما تجدب السماء من المطر، كان يهرع القدماء للصلاة إلى الشمس.

*الصهريج الأكبر
تتجه للصهريج حيث تجد خلفه بحيرة غنائة تتهادي بين جبلين يتوسطهما حاجز في حقيقته إحدى السدود الغائرة تحت مياه الصهريج، كما يتميز بتدرج حواف البحيرة حيث أنشئت لتغمر كل درجة مع زيادة ملئها، وترى خلفك العديد من أبنية المدينة، غير عدد من الأشجار المغروسه على سطح الصهريج.

ولا تلبث أن تنتقل بين عدد من الجسور حتى تجد لوحة مكتوب عليها بالإنجليزية “تانكس” وموجز عن تاريخ الصهاريج تعود لوقت الاحتلال والتي تخترق احد الصهاريج الضخمة الفارغة من المياة؛ حيث تشعر أن الصهريج جمع بين ثلاثة معجزات هندسية تنتمي لـ 3 ازمنة مختلفة.

تعود الأولى منها لما قبل أن يأتي الإنسان على ظهر البسيطة وهي الجبال التي تحيط بك من اي منطقة اومات لها راسك، قام ملوك سبأ وحمير ببناء صهريج ضخم وسطها؛ حيث لا يزال سوره الضخم الذي كان مملوئا بالماء في وقت من الأوقات باحجاره المتراصة شاهدا على ما قام به الأجداد، وبعد أن جاء المحتل الانجليزي أراد تمهيد شبكة مواصلات لنقل أفراده القائمين على إدارة الصهاريج داخلها فكان الجسر، الذي يتوسط الصهريج بسلالمه الأنيقة، وشموخه وسط تلك الفجوة الارضية، ويتسم المكان بكونه يكشف أجزاء أخرى من منظومة الصهاريج وهي القنوات الجانبية المحفورة بعناية لنقل الماء.

*تحت الأرض
تنقلك نفس الجسور الي صهريج اخر ضخم يتميز بعمقه تحت مستوى الأرض حيث تهبط له عبر عدد من السلالم الي أن تصل اليه، تشعر بخطر السقوط بمجرد أن تلقى من عليه نظره من فوق أحد الجسور انجليزية النشأة.

وعندما تصل لمجاورة مياهة تتدرج بنظرك إلي السماء لتتدرج من السطح ناعم الملمس، الذي ينتظر المزيد من المياة لاخفاؤه عن الانظار تحتها للسطح المزركش بالحجارة الحامي للبدن الممتلئ بالمياة حتى الوصول للصخر، الذي أبدعه المولى لتنحت الصهاريج بين طياته، والتي تعانق السماء وتزيد من إرتفاع رأسك حتى تصل للونها الأزرق.

*على الطريقة الأوروبية
تصعد مرة أخرى على سطح الأرض لتجد قدميك على طريق يتوسط مشهدان، الأول جبلي شاهق الارتفاع ترى العديد من المخرات تشق طريقها عبره لتملأ تلك الصهاريج قديما، وتحتها جسر والعديد من القنوات التي نصبت منها الماء منذ عشرات السنوات.

وعلى الجانب الآخر مشهد لقناة واسعة تخلوا من المياة تتسم بندب خضراء لبعض النباتات المترعرعة داخلها، وتنتهي بجسر صنعه البريطانيون يستكمل مشهد يعيد الأذهان الجسور الأوروبية المعلقة فوق الأنهار، مع اختلاف أن تلكم المرة القناة تنضب بماءها ولكن العمارة الإنجليزية تجعلك في حالة من الشك انك لا زلت في عدن.

*بحيرة معلقة في الجبال
تصعد سلالم مرة أخرى لتتقابل مع بئر وشجرة، وبين “الرباطي” أن هذا البئر هو أحد بئرين مستخدمان في قياس عمق المياه الجوفية داخل الصهاريج، والتي تجري كل عام لمعرفة مخزونها من المياة.

وتستمر في الصعود حتى تصطدم بمشهد آخر لصفحة ماء، ولا تعلو قمة الجبل كثيرا عنها لصهريج معلق في أحضان أعالي الجبل، حيث يمكنك أن ترى كل منطقة الصهاريج من اعلى.

*حال صهاريج اليوم
“لم تنجو الصهاريج الشامخة آلاف السنوات من العبث الحادث حاليًا في الجنوب”، بتلك الكلمات وصفت جاكلين البطاني مؤسسة مبادرة هويتي لإحياء التراث ومسئولة الشؤون الاجتماعية في الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي، الحال الذي وصلت إليه الصهاريج من الإهمال الشديد لها.

وأكدت البطاني لـ”الفجر”، على أن النازحين الشماليين قاموا بسكن المرتفعات المحيطة بالصهاريج، رغم أنها تدخل في حرم الأثر في عصر حكومة الشرعية الحالية، حيث قاموا بالبناء على الأراضي التابعة للأثر.

وأضافت مؤسسة مبادرة هويتي، أن الكارثة تكمن في مد خدمات من كهرباء وماء والتعامل معهم كنازحين رغم تعديهم علي اثار عدن، دون أن يحرك المسئولين ساكنًا.