السعودية بين فكّي الرحى في اليمن والفضل للإمارات.. أين المفر؟

وجدت السعودية نفسها فجأة في موقف لا تحسد عليه بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب في اليمن، وجاءت الضربة القاصمة من جانب الحليف الأبرز وهي الإمارات، فما هو المخرج أمام الرياض من المأزق ومن الذي يريد إنهاء الحرب فعلاً؟

القصة المعقدة تناولتها شبكة سي إن إن الأمريكية في تقرير لها بعنوان: «في حرب اليمن: التحالف الذي تقوده السعودية على حافة الهاوية»، ألقت فيه الضوء على الموقف المعقد وأين يقف جميع الأطراف.

الحكومة اليمنية والإمارات

يُفترض أن تكون الحكومة اليمنية والإمارات العربية المتحدة على نفس الجانب في النزاع طويل الأمد باليمن. لكن الحكومة الشرعية تتهم الإمارات الآن بقتل العشرات من قواتها في سلسلة من الغارات الجوية هذا الأسبوع، ما يترك التحالف الذي تقوده السعودية، والذي تَشكَّل لمحاربة المتمردين الحوثيين، في حالة من الفوضى. 

تزعم الحكومة أن طائرةً إماراتية قصفت قواتها وسط موجة أخرى من القتال في ميناء عدن، وهو آخر موطئ لها في البلاد، ما أسفر عن مقتل 40 جندياً ومدنياً. وقالت إن غاراتٍ جوية شُنَّت في محافظة أبيَن المجاورة، وقدرت وزارة الدفاع عدد الضحايا بأكثر من 300 شخص. 

الانفصاليون الجنوبيون

غرَّد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني بأن الغارات الجوية أظهرت «رفض الإمارات لجهود الحكومة اليمنية لاستعادة مؤسساتها»، وأن مستقبل العلاقات بين اليمن والإمارات أصبح الآن في خطر. 

وضع إنساني يزداد سوءاً

ويهدد التدهور السريع للوضع عملية توزيع المساعدات الإنسانية في اليمن، التي يعتمد عليها أكثر من ثلاثة أرباع السكان للبقاء على قيد الحياة، وهناك 10 ملايين شخص على حافة المجاعة. تقول منظمة «أنقذوا الأطفال» إن «ميناء عدن حيوي لاستيراد وتوزيع الإمدادات الأساسية في جميع أنحاء اليمن، وانعدام الأمن يهدد عمله.. وشرايين الحياة سواء عن طريق الجو أو البحر معرضة لخطر الانقطاع». 

قالت كارولين سيجوين من منظمة «أطباء بلا حدود»، الموجودة في عدن، إن الوضع هناك كان في «فوضى تامة» يوم الأربعاء 28 أغسطس/آب. تلقت المنظمة 51 ضحية في غضون بضع ساعات، منهم 10 أشخاص لقوا حتفهم فور وصولهم. 

وتقول الحكومة، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، إن قواتها انسحبت الآن من عدن، ودعت المملكة العربية السعودية لـ «التدخل لوقف هذا التضارب الصارخ بدعم هذه الميليشيات، واستخدام القصف الجوي ضد قواتنا المسلحة». 

حلفاء ولكن أعداء

ردّت الإمارات بأنها نفذت ضربات ضد «الميليشيات الإرهابية» في عدن، لكنها لم تذكر الهجمات على القوات الحكومية. مايكل نايتس من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والذي قضى شهوراً مع القوات الإماراتية في اليمن، قال لشبكة CNN الأمريكية إن الإماراتيين «ليسوا على استعداد لقبول عناصر من تنظيم القاعدة لحشد الخدمات وتقديمها للحكومة». 

وسلَّح الإماراتيون ودربوا مجموعة أخرى في عدن -المجلس الانتقالي الجنوبي- الذي يسيطر على معظم المدينة، ويريد أخيراً الاستقلال بجنوب اليمن. لا يثقون بأحد حلفاء السعودية الرئيسيين في اليمن، وهو حزب الإصلاح. 

في المقابل، تتهم الحكومة اليمنية الآن المجلس الانتقالي الجنوبي والحوثيين بالعمل معاً من أجل «إجبار الحكومة والجيش الوطني على خوض معارك جانبية، تفيد إيران وأدواتها في اليمن». 

يترك القتال والحرب الكلامية المريرة المملكة السعودية -كشريك كبير في التحالف- مع مأزق آخر. أطلقت «عملية عاصفة الحزم» منذ أكثر من أربعة أعوام، بعد سيطرة الحوثيين على جزء كبير من اليمن. لكن ما زال الحوثيون يسيطرون على العاصمة ومناطق شاسعة في شمال اليمن، ويترسخ وجود القاعدة في شبه الجزيرة العربية في عدة محافظات. 

فشلت الجهود التي بذلتها الإمارات والسعودية لجلب الحكومة والمتمردين الجنوبيين إلى الرياض لإجراء محادثات، حتى الآن. يقول نايتس إن إحدى النتائج هي أن الخطوط الأمامية ضد الحوثيين -على سبيل المثال حول ميناء الحديدة- جُردت من أفضل وحداتها، إذ تسعى كل من الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي لحماية مواقعهم في المقاطعات الجنوبية.  

تحالف استراتيجي في مهب الريح

تعد شراكة المملكة السعودية ودولة الإمارات -أكبر اقتصادين في العالم العربي- هي الأقرب من أي مكان في الشرق الأوسط، فهي مدفوعة بالكراهية تجاه إيران ودعم القضايا السنية في جميع أنحاء العالم الإسلامي. قادت الدولتان حظراً ضد قطر لدعمها جماعة الإخوان المسلمين، وعلاقتها مع إيران، وكانتا من المؤيدين الصريحين لعقوبات إدارة ترامب ضد إيران. 

في العام الماضي، أعلنت الحكومتان عن 44 مشروعاً استراتيجياً مشتركاً، شاملاً الاستثمار والبنية التحتية والتعاون الأمني. 

لكن بدأت تظهر الشقوق في هذا التحالف. في يوليو/تموز، بدأت الإمارات سحب قواتها من اليمن، واصفة ذلك بأنه إعادة انتشار مخطط لها منذ فترة طويلة. 

بينما كان تواجدها العسكري في اليمن متواضعاً، تخطت الإمارات ثقلها. صرح مسؤول إماراتي لـ CNN في يوليو/تموز أن الإمارات درّبت حوالي 90 ألف مقاتل يمني. يواجه السعوديون الآن تحديين: إيجاد طريقة للتغلب على مكاسب الحوثيين، والحفاظ على اليمن معاً، وسط أزمة إنسانية يائسة. 

لا يزال المتمردون يسيطرون على العاصمة وجزء كبير من الشمال. وهم قادرون أسبوعياً على شن هجمات صاروخية واستخدام طائرات بدون طيار ضد الأهداف السعودية، بفضل المساعدات من إيران وربما الفنيين من حزب الله. 

سيؤدي الهجوم البري من جانب السعوديين حتماً إلى تفاقم محنة المدنيين، وسيكون نجاحها أبعد ما يكون عن المضمون. أثبت الحوثيون أنهم مقاتلون عنيدون ومنظمون جيداً، رغم المعدات الرديئة. 

قدمت الولايات المتحدة الأسلحة والاستخبارات للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن، لكن يزيد إنهاكها من الأزمة. يوم الأربعاء، صرح وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر بأن «معظم النزاعات، الأفضل أن تنتهي -وغالباً ما تنتهي- باتفاق سياسي. وسنرى ما إذا كانت الأطراف مستعدة للانتقال لهذه المرحلة». 

واشنطن تريد المفاوضات

قال مسؤول في وزارة الخارجية لشبكة CNN في بيان: «نؤيد الحل التفاوضي بين حكومة الجمهورية اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والجهود المبذولة للتوسط لحل النزاع»، وأضاف: «لن يؤدي المزيد من الانقسامات في اليمن إلا إلى زيادة معاناة الشعب، وإطالة الصراع». 

لا يتوقع نايتس أن يعم السلام في أي وقت قريب، ويقول إنه «لا يمكن لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ولا الحوثيين أن يأتوا إلى طاولة السلام، وحتى يتمكنوا من دخولها منتصرين، يتعلق كل شيء بالبصيرة». 

وأضاف أن أهم أعضاء الحوثيين يستفيدون من الحرب مالياً، ولحكومة الرئيس المعترف به دولياً عبدربه منصور هادي دور الحليف الرئيسي للسعوديين في اليمن. إذا بدأ التحول الأمريكي، من المحتمل أن يُقصى هادي. 

في ضوء كل ذلك، يبدو أن المدنيين الذين يعانون في اليمن، هم فقط الذين ينادون بالسلام.