الاستشراق واحتلال الجزائر

بقلم وسام صالح البردويل

لا ينكر عاقل أو دارس للتاريخ، أن الاستشراق كان له دور كبير في محو تفاصيل كثيرة من الهوية العربية ومحاربة الإسلام ومحاولات زرع الفتن ونشر الثقافة الغربية سواء في البلاد التي استعمرتها أو اشغال الدول العصية على الاستعمار بزرع الفتن.

وعند الحديث عن الجزائر والاحتلال الفرنسي لها الذي ازداد عن 130 عاما ولا زالت آثاره حاضرة وبقوة إلى يومنا هذا حيث الثقافة الغربية واللغة الفرنسية والعادات المخالفة للظواهر الإسلامية في بعض الأحيان.

وفي الحديث عن الدور الاستشراق في استعمار الجزائر، فلا بد أولا من تعريف هذا المصطلح، فهو ظاهرة طبيعية تولدت عن حركة الصراع بين الشرق والغرب، أو في فهم أضيق نطاقا، بين الإسلام والمسيحية.

بيد أن ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو الخروج عن إطار الدلالة الجغرافية للمصطلح؛ حيث لم يعد مصطلح الشرق قابعا في حيزها؛ لأن الاستشراق أخذ بعدا ودلالة ثقافتين حدث بينهما تواصل تاريخي أعقبه تصادم قوامه دلالة أيديولوجية، أضفت على جدلية الدرس النقدي للخطاب الاستشراقي ديمومة حداثية صاغها مشهد الصراع السياسي المعاصر، وحركة التحرر التي غمرت شعوب العالم الثالث.

وعلى سبيل المثال أثناء حرب التحرير الجزائرية، أثر موضوع الاستشراق بشكل خاص، وكان مرتبطا بالضرورة بالظاهرة الاستعمارية؛ لأن عددا كبيرا من المستشرقين كان مرتبطا بالمجتمعات الاستعمارية وإدارتها وقراراتها، ارتباطا ينكشف في تجليات الأداء الوظيفي للمستشرقين.

فقد وجدت فرنسا نفسها محرجة أمام العالم بعد فشل طموحاتها النابليونية، فتوجهت الأنظار نحو الجزائر، للبحث عن صورتها واستعادتها امام العالم في ظل الصراع الاستعماري الكبير، على اختلاف الأسباب التي كانت تصبو إليه تلك الإمبراطورية الاستعمارية في ذاك الوقت.

ولقد رافق الحملة الفرنسية على الجزائر 1830، عدد من المستشرقين الفنانين والرسامين المغمورين والمشهورين، سيرا على نهج حملة نابليون بونابرت إلى مصر وبلاد الشام، لتعمل بجد واجتهاد على تصوير المشاهد الجزائرية لأسباب عدة.

ولقد شكلت الحركة الاستشراقية القناة الإعلامية الاستعمارية، التي من خلالها يتم الاشهار بعروض مغرية عن جغرافية الجزائر لتحريك الرغبة في وتأسيس الاقتناع لدى الجماهير الفرنسية بضرورة السيطرة على تلك الأرض.

كما أن كثيرا من المستشرقين قد التحقوا بالجيش الفرنسي منذ الأيام الأولى للحملة، لرسم صورة الانتصارات والمعارك كي تبقى في التاريخ، بالإضافة إلى مهام أخرى وكلت إليهم مثل دور الجاسوس وغيرها.

بالإضافة إلى ما ذكر سالفا، فقد لعب المستشرقون دور كتائب الاستطلاع لحركة الأطماع الاستعمارية الفرنسية في الجزائر وشمال أفريقيا، فكان الاستشراق يسبق الاستعمار في أي قطر ومصر، ليصبح طلائع جيشه وأعين أمنه التي توفر له المادة الكافية للتشكيك في قيم الشعوب والسخرية من الثقافة والهوية.

وبحكم هذا الارتباط بين الاشراق والاستعمار، فق أوكلت للمستشرق مهمة جمع المعلومات، وترجمة النصوص، من النص العربي وإليه، حسب الحاجة، وتفسير التاريخ والأساليب الحضارية والأديان والعقليات والتقاليد وصياغة علاقة الأسر الحاكمة بالشعوب التي تحكمها.

ويقوم المستشرق بهذه المهام كخبير يفسر قضايا الإسلام ومظاهر حياة المسلمين لحكومته الاستعمارية، ويعينها على فهم شعوبه وحكمها، وعليه فكلما توسع الاستعمار وثبتت أقدامه وأحكم سيطرته على شعب من الشعوب الإسلامية كلما زاد اعتماده على الاستشراق كمؤسسة تابعة له تسانده وتدعمه في إدارة تلك الشعوب وتسهل له إخضاعها.

لقد مهدت فرنسا لاحتلالها للجزائر سنة 1830م بدراسات سبقت ذلك الاحتلال بنحو عشرين عاما، تحولت فيها من مجرد دراسة ((حفريات)) و((آثار)) لعالم اثري قديم إلى دراسة ((عقلانية)) منظمة، ومن ثم تطورت فكرة ((علماء الحملة))؛ أي طبقة المفكرين التي دأب الاستعمار الفرنسي يصحبها في شن حملاته على البلاد الإسلامية وغيرها من المستعمرات كما يتجلى هذا المشهد في حملة نابليون على مصر سنة 1798م، وتطورت إلى ((علماء المستشرقين)) وذلك على يد المستشرق الفرنسي (( سلفستر دي ساسي)) ، حتى صارت فرنسا رائدة الاستشراق في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ففي سنة 1807م طلب نابليون من الكولونيل (بوتان) المهندس العسكري القيام بسياحة استكشافية للجزائر، فجاء هذا المهندس الجاسوس إلى الجزائر سنة 1808م وتعرف على الأسر اليهودية وعلى الأخص أسرة ابن زاحوط التي أعانته على استكشاف الجزائر أرضا وشعبا وثقافة، وتختلق فرنسا قصة المروحة سنة 1828م.

ولما أدرك القادة الفرنسيون عظم هذا الدور الذي يمكن أن تلعبه طوائف المستشرقين، أسسوا مدارس تقوم على هذا التوجه وتكون هذه الطلائع ولعل من أبرز هذه المؤسسات مدرسة اللغات الشرقية بباريس والتي تزعم إدارتا والإشراف المستشرق سلفستر دي ساسي زعيم الاستشراق الفرنسي بلا منازع في ذلك الوقت.

وللاستشراق وجوه وأدوار مختلفة، فأما دور المترجمين والمستشارين، هو تذليل الصعاب في الاتصال بالأهالي واقناعهم بضرورة الاستسلام والتعاون مع السياسية الاستعمارية بدعوى أنها تريد مصالحهم، وبالتالي فلم يكن يتحرك القادة والجيوش إلا وكان دليلهم هؤلاء.

وفي الحديث عن المجال المعرفي والدراسي، فقد كان للمستشرقين دور كبير في تزويد الإدارة الاستعمارية بالمعارف والمعلومات الكاملة عن طبقات الشعب الجزائري من خلال اعداد الدراسات وجمع المخطوطات وترجمتها للفرنسية.

أما مجال التعليم، فقد اعتنى كثير من المستشرقين بتعليم اللغة العربية المهجنة بالعامية واللهجات المحلية لدى طوائف المجتمع الجزائري وذلك لتلبية الحاجة للتعامل مع الأهالي وتبديد الحواجز النفسية على اختلاف المستويات والطبقات والفئات.

بالإضافة إلى إبراز اللغة العربية كوسيلة حضارية ذات رمزية لهوية مستقلة وكيان اجتماعي متميز عن هوية المستعمر وإن تقنع بأساليب ماكرة لترويض الشعوب المستعمرة وإبرازها في صور مشينة سلبية.

كما كان لهؤلاء رسالة إضافية وهي العمل على إبراز الهوية الحضارية الفرنسية خاصة والغربية عامة وإشاعتها على أنها قدوة لكل إنسان بما تتوشى به من المبادئ الخادعة والسمات الموهمة للشعوب المغلوبة.

كما أن الكثير من المستشرقين لعبوا دور الجواسيس الذين يوفدون المعلومات حول القبائل وزعماؤها وعلاقات ببعضها كما قدموا معلومات حول الطوائف الدينية والسياسية في المجتمع الجزائري.

فنجد المارشال الفرنسي فالي قد كلف لیون روش المستشرق الرحالة الذي وفد إلى الجزائر عام 1832 بعدة مهام جاسوسية في مدينة القليعة لمراقبة مسلمي الحجوط الذين يعملون على نشر البلبلة والفوضى في نواحي الجزائر في نظر المستعمر كما شارك هو نفسه في حملات عسكرية مع المارشال فالي سنة 1840.

ولقد أشار على الجنرال بيجو الذي أثنى عليه في تقريره إلى وزير الحربية بعد أن تم له الانتصار في حملته على مدينتي تاقدامت ومعسكر عام 1841 باستعمال سلاح الفتوى الدينية لتذليل كثير من العقبات فأرشده إلى أن قوة الجزائريين المسلمين تكمن في تمسكهم بدينهم، وعليه فإن إحراز فتوى من العلماء الكبار المقيمين في تونس تحرم على مسلمي الجزائر محاربة المسيحيين.

وهكذا نكون قد أظهرنا جزءا من المعلومات والحقائق التي تبرز خطورة الاستشراق وأهدافه الخبيثة كأداة استعمارية تسبق القوة العسكرية وتحدث فتكا أكبر وشرخا من الضربات الصاروخية والمواجهة الميدانية.