إشارات متبادلة لتفادي الحرب بين الرياض وطهران.. هل أُجبِرت السعودية على إيجاد حل للصراع بنفسها؟

بعد سنوات من العداء المتنامي والتنافس على النفوذ، تتجه المملكة العربية السعودية وإيران نحو محادثات غير مباشرة في محاولة للحد من التوترات التي دفعت الشرق الأوسط إلى حافة الحرب، وفقاً لمسؤولين من العديد من الدول المشاركة في هذه المساعي.

تقول صحيفة The New York Times الأمريكية، إن مجرد التفكير في هذه المحادثات يمثل تحولاً ملحوظاً، إذ يأتي بعد بضعة أسابيع فقط من هجوم منظم على منشآت نفطية سعودية أدى إلى تهديدات عدائية في الخليج. وقد يكون لمصالحة من أي نوع بين السعودية وإيران تبعات بعيدة المدى على الصراعات في المنطقة.

السعودية تبحث عن حل بنفسها

ويقول محللون إن رفض الرئيس ترامب الرد على إيران على خلفية هجوم 14 سبتمبر/أيلول هو الذي أدى إلى «تبعات غير مقصودة»، دفعت السعودية إلى البحث عن حل للصراع بنفسها. وهذا الحل، بدوره، يمكن أن يُفشِل مساعي ترامب لتشكيل تحالف عربي لعزل إيران.

وفي الأسابيع الأخيرة، قال مسؤولون من العراق وباكستان إن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، طلب من زعيمي هذين البلدين التحدث مع نظيرهما الإيراني حول وقف التصعيد. وقد رحبت إيران بهذه الإشارات، وذكرت سراً وعلناً أنها مستعدة لبدء محادثات مع السعودية.

انعدام الثقة لا يزال كبيراً

وفي تصريح لصحيفة The New York Times يوم الجمعة 2 أكتوبر/تشرين الأول، اعترفت الحكومة السعودية بأن العراق وباكستان عرضتا التوسط في محادثات بين البلدين لكنها نفت أن الأمير محمد هو من طلب ذلك.

وجاء في التصريح: «المساعي المبذولة لوقف التصعيد لا بد أن يبادر بها الطرف الذي بدأ التصعيد وشن هجمات، وليس المملكة».

تقول نيويورك تايمز، لا يزال انعدام الثقة بين هاتين القوتين في الشرق الأوسط كبيراً، ويبدو احتمال إجراء محادثات مباشرة رفيعة المستوى بينهما في وقت قريب بعيداً. ولكن حتى «الود الطفيف» قد يمتد تأثيره خارج حدود كل منهما، حيث يغذي صراعهما الانقسامات السياسية من لبنان إلى اليمن.

في الواقع، لطالما أرادت إيران انتزاع السعوديين من تحالفهم مع عدوتي إيران اللدودتين، وهما إسرائيل، والولايات المتحدة التي تشن حملة «أقصى قدر من الضغط» على إيران لمحاولة إجبارها على تقييد برنامجها النووي ووقف دعمها للميليشيات في المنطقة.

ويتناقض ترحيب إيران بالتواصل مع السعوديين مع لهجتها الباردة تجاه الولايات المتحدة. ففي الأسبوع الماضي، تجاهل الرئيس الإيراني، حسن روحاني، فرصة للتحدث مباشرة مع ترامب أثناء حضورهما اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

ويُذكر أن الإشارات الجديدة بين السعودية وإيران بدأت في أعقاب هجمات صواريخ كروز والطائرات المسيرة على منشأتين نفطيتين سعوديتين الشهر الماضي، واتهمت السعودية والولايات المتحدة إيران بتدبيرها.

ورغم التهديدات القاسية التي أطلقتها إدارة ترامب، رفض الرئيس الأمريكي إصدار أمر بالتحرك العسكري. وقد أثار هذا التردد تساؤلات السعوديين حول الالتزام الأمريكي بالحفاظ على أمن السعودية، الذي يرتكز عليه المخطط الاستراتيجي للخليج  منذ عقود.

توسط عراقي باكستاني 

هذا وقد التقى رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الأمير محمد، الحاكم الفعلي للسعودية، في جدة الشهر الماضي. وبعدها بأيام، في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال خان للصحفيين إن الأمير محمد طلب منه التحدث مع إيران.

ووفقاً لمسؤول باكستاني بارز، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث إلى الصحفيين، قال الأمير محمد لخان إنه يريد «تفادي الحرب»، و»طلب من رئيس الوزراء التدخل». وبعدها تحدث خان مع روحاني على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.

أما رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي فقد زار السعودية بعد أيام قليلة من زيارة خان. وقال مسؤول عراقي رفيع المستوى إن الأمير محمد طلب من عبدالمهدي التوسط لدى إيران، وإن العراق اقترح بغداد مكاناً لعقد اجتماع محتمل.

وقال عبدالمهدي للصحفيين في العراق بعد عودته من المملكة إن «هناك استجابة كبيرة من المملكة العربية السعودية وإيران وحتى من اليمن. وأعتقد أن هذه المساعي سيكون لها تأثير جيد». ومن جانبها، أيدت إيران الفكرة.

إذ قال علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الإيراني، لقناة الجزيرة في مقابلة بثت يوم الثلاثاء الأول من أكتوبر/تشرين الأول إن «إيران مستعدة لبدء حوار مع السعودية ودول أخرى في المنطقة». وأضاف قائلاً: «الحوار الإيراني السعودي قد يحل العديد من المشكلات الأمنية والسياسية في المنطقة».

قنوات حوار سرية

ولكن فيما يبحث الطرفان إمكانية إجراء محادثات عبر قنوات سرية غير رسمية، ما زالا متشبثين بموقفيهما العلنيين المتعارضين.

إذ كتب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في تغريدة على تويتر يوم الثلاثاء أن السعودية لم تطلب من أي شخص إرسال رسائل إلى إيران، ولكن دولاً أخرى لم يحددها عرضت التوسط.

إذ كتب قائلاً: «أبلغناهم أن الهدنة يجب أن تأتي من الجانب الذي يصعّد وينشر الفوضى بأعماله العدوانية في المنطقة».

وقال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يوم الأربعاء 2 أكتوبر/تشرين الأول إن بلاده «سترحب بالسعودية بحرارة بكل تأكيد»، ولكن فقط إذا أعطت الأولوية لإقامة علاقات ودية مع جيرانها وليس لشراء أسلحة من الولايات المتحدة.

ثغرات في درع حماية السعودية

يقول فيليب غوردون، منسق البيت الأبيض السابق لمنطقة الشرق الأوسط: «هناك ثغرات في درع حماية السعودية دفعتها إلى التفكير إقامة علاقة جديدة مع إيران. إن أسوأ نتيجة للسعوديين هي التحرك لمواجهة إيران متوقعين من الولايات المتحدة أن تدعمهم وبعدها يتبينوا أنها لن تفعل». وأضاف: «لقد أظهرت هذه الإدارة أنها ليست مستعدة استعداداً حقيقياً لمواجهة إيران».

وقد تحدث مسؤولون من الكويت والإمارات، حليفتي السعودية اللتين قد تعانيان من مشكلات حال اندلاع صراع علني، صراحة عن الحاجة إلى الدبلوماسية لتخفيف التوترات وبذلوا مساعيهم للتواصل مع إيران. وقد أجرت الإمارات محادثات أمنية بحرية مباشرة مع إيران، وانسحبت من الحرب في اليمن، حيث تحالفت مع السعوديين في معركة ضد الحوثيين المدعومين من إيران.

إذا انضمت السعودية إلى الكويت والإمارات في التواصل مع إيران، فقد يقوض ذلك مساعي إدارة ترامب لتشكيل تحالف دولي لنبذ الإيرانيين والضغط عليهم.

وقال مارتن إنديك، وهو دبلوماسي كبير سابق ونائب الرئيس التنفيذي لمؤسسة بروكينغز، يوم الخميس على تويتر: «التحالف المناهض لإيران ليس متعثراً فحسب، بل ينهار. وقد أبرم محمد بن زايد اتفاقه مع إيران؛ وسيلحق به محمد بن سلمان قريباً».

وأشار أيضاً إلى أن مستشار ترامب الأكثر تشدداً مع إيران، جون بولتون ترك الإدارة، فيما يقاتل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحفاظ على وجوده السياسي، وقد أبدى ترامب استعداده للتحدث مباشرة مع الإيرانيين. 

التحالف المناهض لإيران يتفكك

أما بالنسبة للسعوديين، فستمثل المحادثات غير المباشرة مع إيران تغييراً مهماً في الطريقة التي يتعامل بها الأمير محمد مع منافسه الإقليمي الرئيسي منذ وصل والده، الملك سلمان، إلى العرش السعودي عام 2015.

إذ كان يصف إيران بأنها السبب الأساسي لمشكلات الشرق الأوسط وقال إن الخلافات السياسية والدينية تجعل المفاوضات مستحيلة. وشبّه المرشد الأعلى لإيران بهتلر وهدد بإشعال العنف داخل حدود إيران.

إذ قال الأمير محمد عام 2017: «نحن هدف أساسي للنظام الإيراني. لن ننتظر حتى تدخل المعركة إلى السعودية. ولكننا سنعمل على نقل المعركة إلى إيران».

وقد مثلت كراهيته لإيران قضية مشتركة تجمعه بإسرائيل وإدارة ترامب. وجعل السعوديون من أنفسهم أكبر حليف للولايات المتحدة ضد إيران، واقترحوا تنفيذ عمليات مشتركة لإضعافها وربما تغيير النظام، وفقاً لمسؤولين أمريكيين سابقين.

لكن الأمير محمد ربما يكون الآن أكثر استعداداً لبحث إمكانية عقد اتفاق. وقال سعيد شريعتي، وهو محلل سياسي في طهران: «التوترات السعودية الإيرانية وصلت ذروتها، وقد توصل الجانبان إلى أن توازن المخاوف هذا يضر بمصالحهما».

الخلاف ما زال كبيراً، ولكن

في الوقت الحالي، يبدو الخلاف كبيراً، وربما غير قابل للحل. إذ ينتقد السعوديون إيران لدعمها الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث تورطت المملكة في حرب كارثية ضد الحوثيين تدور رحاها منذ أربع سنوات.

وتجدر الإشارة إلى أن الحوثيين أعلنوا مسؤوليتهم عن الهجمات على المنشآت النفطية السعودية التي يبدو أنها ساعدت في تحفيز المبادرات الدبلوماسية، لكن العديد من الخبراء الغربيين يعتقدون أن الحوثيين لم يكن بمقدورهم تنفيذ الضربات دون مساعدة.

وقال الجبير يوم الثلاثاء إنه يتعين على إيران وقف برنامجها للصواريخ البالستية، والامتناع عن التدخل في الدول العربية و»التصرف مثل الدول الطبيعية، وليس مثل دولة مارقة ترعى الإرهاب».

ومن جانبها، طالبت إيران السعودية بتجميد صفقات الأسلحة التي تبلغ تكلفتها مليارات الدولارات مع الولايات المتحدة، ووقف تدخلها في اليمن وإنهاء التمييز ضد الأقلية المسلمة الشيعية في المملكة العربية السعودية، التي يحكمها نظام ملكي سني مطلق.

وفي الجمعية العامة الأسبوع الماضي، وجه الرئيس الإيراني روحاني، جزءاً من خطابه مباشرة إلى الدول العربية في الخليج. وقال: «جارتكم هي جمهورية إيران الإسلامية. وحين يحدث شيء، سنقف وحدنا نحن وأنتم. نحن جيران بعضنا، وليس أمريكا».

scroll to top