أوروبا غير الديمقراطية.. كيف خذلت الليبرالية سكان شرق القارة؟

لماذا أصبحت الليبرالية مكروهةً في أوروبا الشرقية، وكيف أصبحت هذه المجتمعات تتخذ مواقفَ عدائية ضد الاتحاد الأوروبي، رغم أنها كانت تتطلع له بعد انهيار الشيوعية، ورغم أنها الأكثر استفادة من سياساته.

تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية، عرض الأسباب المعقدة التي أدّت إلى تصاعُد الاتجاهات اليمينية الشعبوية في أوروبا الشرقية والوسطى، والتي تتمرّد على الاتحاد الأوروبي، رغم أنَّ هذه المناطق هي الأكثر استفادة منه، وتتخوف من الهجرة، رغم أنها تكاد تكون معدومة في هذه المنطقة من أوروبا. 

قصة مرحلتين.. كيف كان سكان أوروبا يحلمون بالغرب؟

في ربيع عام 1990، قضى جون فيفر (26 عاماً) عدة أشهرٍ في عبور الحدود بين دول أوروبا الشرقية، أملاً في فكّ شفرات لغز مستقبلها فيما بعد الشيوعية، ليكتب كتاباً عن التحوُّل التاريخي الذي يتكشَّف أمام عينيه. 

ولم يكُن خبيراً مُحنَّكاً، لذا تحدَّث إلى أكبر عددٍ ممكن من الناس من شتى مناحي الحياة، بدلاً من اختبار النظريات. لكن التناقضات التي وجدها كانت رائعةً ومثيرةً للحيرة. 

إذ كان الأوروبيون الشرقيون مُتفائلين وقلقين في الوقت ذاته. وتوقَّع الكثير ممن قابلهم حينها أن يصيروا مثل سكان فيينا أو لندن، في غضون خمس سنوات، أو 10 سنوات على الأكثر. لكن تلك الآمال امتزجت بالقلق والهواجس. ولاحظ إليمير هانكيس، عالم الاجتماع المجري، ذلك قائلاً: «أدرَك الناس فجأةً أنَّ السنوات المُقبلة ستُحدِّد هوية من سيُصبح غنياً ومَن سيصير فقيراً، ومن سيستحوذ على السلطة ومن لن يقترب منها، ومن سيتعرض للتهميش، ومن سيكون في قلب الأحداث. إلى جانب تقرير مَن سيستطيع تأسيس سلالة، ومن سيُعاني أطفاله من أجل لقمة العيش».

واليوم ازدادوا ثراء ونقمة.. لماذا أصبحت الليبرالية مكروهةً في أوروبا الشرقية

ونشر فيفر كتابه في نهاية المطاف، لكنَّه لم يُعاود زيارة البلدان التي استحوذت على خياله لفترةٍ وجيزة.

وبعد مرور 25 عاماً، قرَّر زيارة المنطقة مرةً أخرى، والبحث عن أولئك الأشخاص الذين تحدَّث إليهم عام 1990. وفي هذه الزيارة، كانت أوروبا الشرقية أكثر ثراءً، ولكن الاستياء يُعكِّر صفوها. إذ وصل المستقبل الرأسمالي، لكن المزايا والأعباء لم تكُن مُوزَّعةً بالتساوي، بل مُقسَّمةً على نحوٍ مُريب. وبعد تذكيرنا بأنَّ «الشيوعية كانت بمثابة الصنم الذي خذل الجميع من أبناء جيل الحرب العالمية الثانية في أوروبا الشرقية»، كتب فيفر أنَّ «الجيل الحالي في المنطقة، يرى في الليبرالية الصنم الذي خذل الجميع».

وأُطلِقَت العديد من المصطلحات على مساعي الدول الشيوعية السابقة لمُحاكاة الغرب بعد عام 1989، ومنها: الأمركة، والأوربنة، والدمقرطة، والتحرّير، والتضخيم، والاتحاد، والمواءمة، والعولمة، وما إلى ذلك، لكن كافة تلك المصطلحات كانت تدُلُّ على التحديث عن طريق المُحاكاة، والاتحاد عن طريق الاستيعاب. 

الشيوعية الجديدة.. لعنة محاكاة الغرب تضعف الديمقراطية

صارت الديمقراطية الليبرالية أشبه بعقيدةٍ جديدة لا مفر منها بعد انهيار الشيوعية، بحسب شعبويي أوروبا الوسطى المُعاصرين. 

وتكمُن مأساتهم المتواصلة في أنَّ محاكاة قيم ومواقف ومؤسسات وممارسات الغرب صارت ضرورةً إجبارية.

إذ تحوَّلت الكثير من الديمقراطيات، التي خرجت إلى النور بنهاية الحرب الباردة، بطول أوروبا الوسطى والشرقية إلى أنظمةٍ تحكمها الأكثرية وتُسيطر عليها نظريات المؤامرة.

ووسط تلك الأنظمة بدأت شيطنة المُعارضة، وجُرِّدت وسائل الإعلام غير الحكومية والمجتمع المدني والمحاكم المستقلة من تأثيرها، وصارت السيادة خاضعةً لقرار القيادة السياسية بمقاومة الضغوط أو الرضوخ للمثل الغربية، فيما يتعلَّق بالتعدُّدية السياسية وشفافية الحكومة والتعاطف مع الغرباء والمُعارضين والأقليات.

ولا يُوجد عنصرٌ واحد يُمكنه تفسير أسباب الظهور المُتزامن لكل تلك الأنظمة الاستبدادية المُناهضة لليبرالية، داخل الكثير من البلدان ذات الأوضاع الداخلية المُختلفة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

 لكن الاستياء من الحالة القانونية للديمقراطية الليبرالية، وسياسات التقليد عموماً، أدَّى دوراً حاسماً في ذلك. ونقص البدائل هذا هو أفضل تفسيرٍ لروح مُناهضة الغرب التي تُهيمن على مجتمعات ما بعد الشيوعية اليوم، أكثر من دور القوة الجاذبة للماضي الاستبدادي أو العداء المُتجذِّر تاريخياً لليبرالية.

 ووفَّرت الفكرة القائلة إنَّه «ليست هناك طريقة أخرى» دافعاً مُستقلاً لموجة كره الأجانب الشعبوية والأهلانية الرجعية، التي بدأت في أوروبا الوسطى والشرقية، وتنتشر الآن في الكثير من أنحاء العالم.

لأن الهدف منذ البداية كان استنساخ تجارب الغرب

وحين انتهت الحرب الباردة، صار التسابق من أجل الانضمام إلى الغرب هو المهمة المشتركة للأوروبيين في وسط وشرق القارة.

ولا شكَّ أنَّ الهدف الرئيسي لثورات عام 1989 كان أن تصير تلك الدول غربية الشكل بالكامل. وكان النسخ المُتحمس للنماذج الغربية أول الأمر بمثابة تجربة تحرُّر، بقدر ما كان مدفوعاً بإجلاء القوات السوفيتية من المنطقة. وبعد عقدين مُضطربين صارت الجوانب السلبية لسياسات التقليد واضحةً بدرجةٍ لا يُمكن إنكارها. ومع تزايُد الاستياء، صعد نجم الساسة غير الليبراليين في المجر وبولندا، ووصلوا إلى السلطة.

ولكن هذه النسخ تلطّخت بالفساد وعدم المساواة

وفي الأعوام الأولى التي أعقبت عام 1989، كانت الليبرالية عموماً مُقترنةً بمُثلٍ منها: الفرصة الفردية، وحرية التنقُّل، والمعارضة دون عقاب، والحق في العدالة، واستجابة الحكومة لمطالب الجماهير. وبحلول عام 2010، كانت نسخ أوروبا الوسطى والشرقية من الليبرالية قد تلطَّخت تماماً بعقدين من عدم المساواة الاجتماعية، والفساد المُتفشّي، وإعادة توزيع الممتلكات العامة تعسُّفياً لتصير في أيدي عددٍ صغيرٍ من الناس. 

وولَّدت الأزمة الاقتصادية عام 2008 شعوراً عميقاً بانعدام الثقة في نُخب رجال الأعمال، ورأسمالية الكازينو التي كادت تُدمِّر النظام المالي العالمي بدرجةٍ كبيرة.

لكن التركيز على فساد وانحراف الحكومات غير الليبرالية في المنطقة لن يُساعدنا في فهم مصادر الدعم الشعبي للأحزاب الشعبوية القومية.

فقد تحقَّق الهدف بثمن باهظ 

أصول الشعبوية معقدةٌ بلا شك، لكن أصولها تكمُن جزئياً في الإهانات المرتبطة بكفاح دول المنطقة الشاق، لتصير في أفضل الأحوال نسخةً أقل شأناً من النموذج الغربي المُتفوِّق. 

وتأجَّج السَّخط على «التحوُّل إلى الديمقراطية»، في السنوات التي أعقبت الشيوعية، نتيجة زيارات «المُقيِّمين» الأجانب الذين كانوا أقل إلماماً بالحقائق المحلية. 

وتضافرت تلك التجارب لتُنتج ردّ الفعل الأهلاني في المنطقة، وهو عبارةٌ عن تأكِّيدٍ على التقاليد القومية «الأصلية»، التي يُزعم أنَّها اختنقت بسبب النماذج الغربية غير الملائمة. 

وسمحت ليبرالية ما بعد القومية، المُرتبطة بتضخيم الاتحاد الأوروبي، للشعبويين الطموحين، أن يزعموا ملكيتهم الحصرية للتقاليد والهوية القومية.

كان هذا هو المُحرِّك الرئيسي لثورة مُناهضة الليبرالية في المنطقة، لكن العامل الفرعي كان الافتراض الذي لا جدال عليه، بعد عام 1989، بأنَّه لا يوجد بديلٌ عن النماذج السياسية والاقتصادية الليبرالية. وأسفر هذا الافتراض عن رغبةٍ مُناقضة في إثبات وجود تلك البدائل بالتأكيد. وخير مثالٍ على ذلك هو حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الحزب الشعبوي اليميني المُتشدِّد. 

وكما يُشير اسم الحزب فقد أُطلِق رداً على ادَّعاء أنجيلا ميركل العفوي بأنَّ سياستها النقدية «لا بديل عنها». وحين وصفت مُقترح الحكومة بأنَّه الخيار المُتاح الوحيد، ثار الكثيرون وبدأوا عملية بحثٍ مكثَّفة وعنيدة عن البدائل. 

وأدَّت الحياة الطبيعية المُفترضة في أعقاب القومية إلى ردة فعلٍ مُشابهة، تمثَّلت في ولادة ثورةٍ مُناهضة لليبرالية والعولمة والهجرة والاتحاد الأوروبي داخل الدول الشيوعية سابقاً، والتي استغلها وتلاعب بها الديماغوجيون الشعبويون الذين يعرفون كيفية شيطنة «الأعداء الداخليين» من أجل تعبئة الدعم الشعبي.

ثورات مخملية رحب بها اليمين واليسار  

ويرى جورج أورويل أنَّ «كافة الثورات هي إخفاقات، ولكنها ليست نفس الإخفاقات». فما نوعية الإخفاق الذي مثَّلته ثورة عام  1989 في أوروبا الشرقية إذاً، بالنظر لأنَّ هدفها كان الوصول إلى الحياة الطبيعية على الطراز الغربي؟ وإلى أيّ مدى كانت الثورة الليبرالية عام 1989 مسؤولةً عن الثورة المُضادة المُناهضة لليبرالية، والتي اندلعت بعد عقدين من الزمن؟

لم تتأثَّر «الثورات المخملية» التي اندلعت بطول أوروبا الوسطى والشرقية عام 1989 إلى حدٍّ بعيد بالمعاناة الإنسانية، التي تكون عادةً جزءاً جذرياً من الاضطرابات السياسية. 

إذ لم يسبق من قبل أن أُطيح بهذا العدد من الأنظمة شديدة الرسوخ في الوقت ذاته، واستبدالها باستخدام أساليب سلميةٍ في أساسها. 

وأشاد اليسار بتلك الثورات المخملية بوصفها تعبيراً عن القوة الشعبية. في حين احتفى بها اليمين بوصفها انتصاراً للسوق الحر على الاقتصاد المُوجَّه، وفوزاً مستحقاً للحكومة الحرة على الديكتاتورية الشمولية.

ومن جانبهم تفاخر الليبراليون الأمريكيون والمُؤيدون لأمريكا بأنَّ الليبرالية، التي يسخر منها النُقَّاد اليساريون عادةً بوصفها أيديولوجيةً مُوجَّهةً للحفاظ على الوضع الراهن، أصبحت مرتبطةٌ برومانسية تحرير التغيير. 

ولا شكَّ أنَّ عمليات التغيير اللاعُنفية للأنظمة في الشرق كانت تحمل أهميةً عالمية-تاريخية، لأنَّها مثَّلت نهاية الحرب الباردة.

ولكن هدفها الكامن هو الحياة الطبيعية

ولم تكُن الطبيعة اللاعُنفية لثورات عام 1989 السمة الفريدة الوحيدة لتلك الثورات. 

فبالنظر إلى الدور الجماهيري البارز الذي أدَّاه المُفكِّرون المُبدعون والنشطاء السياسيون الأذكياء، مثل فاتسلاف هافيل في تشيكوسلوفاكيا وآدم ميشنيك في بولندا؛ نجد أنَّ أحداث عام 1989 تُذكر أحياناً على أنَّها ثورات مثقفين. 

لكن الأمر الذي ضمن أن تظل تلك الثورات «مخملية» كان العداء الكامن ضد الخلفية الطوباوية والتجارب السياسية. 

وبعيداً عن التطلُّع إلى شيءٍ جديدٍ في حدِّ ذاته؛ هدفت الشخصيات الرائدة في تلك الثورات إلى قلب نظامٍ واحد من أجل استنساخ آخر.

إذ رحَّب يورغن هابرماس، فيلسوف ألمانيا الأول، ترحيباً حاراً بـ «غياب الأفكار المُبتكرة، أو الموجهة نحو المستقبل» بعد عام 1989، لأنَّه رأى أنَّ ثورات أوروبا الوسطى والشرقية كانت «ثورات تصحيحية» أو «موجات ثورية لاحقة». وكان الهدف منها هو تمكين مُجتمعات أوروبا الوسطى والشرقية من اكتساب ما يتمتَّع به الأوروبيون الغربيون فعلياً.

ولم يكن الأوروبيون في الوسط والشرق يحلمون عام 1989 بعالمٍ مثالي لا وجود له. بل كانوا يتطلَّعون إلى «حياةٍ طبيعية» في «بلدٍ طبيعي». 

ففي أواخر السبعينيات، زار الشاعر الألماني هانس ماغنوس إنتزنسبيرغر دولة المجر وتحدَّث إلى بعضٍ من أشهر نُقَّاد النظام الشيوعي، الذين قالوا له: «لسنا مُعارضين. بل نُمثِّل جانب الحياة الطبيعية«. 

وكان شعار ميشنيك في أعقاب الشيوعية هو: «الحرية، والإخاء، والحياة الطبيعية». وبعد عقودٍ من التظاهر بتوقُّع مُستقبلٍ مُشرق؛ كان هدف المُعارضين الرئيسي هو العيش في الحاضر والاستمتاع بملذات الحياة اليومية.

ظنوا أن تقليد هو الطريق الوحيد، ولكن تناسوا العقبات المحلية  

ومن هذا المنطلق؛ رأت نُخب أوروبا الوسطى في تقليد الغرب طريقاً آمناً للحياة الطبيعية

لكن الإصلاحيين قلَّلوا من شأن العوائق المحلية في طريق التحرير وإرساء الديمقراطية، مدفوعين بآمال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبالغوا في تقدير أهمية استيراد نماذج غربية مُجرَّبة مُسبقاً. وتعكس موجة معاداة الليبرالية التي تكتسح أوروبا الوسطى اليوم استياءً شعبياً واسع النطاق، بسبب ازدراء الليبرالية للكرامة القومية والشخصية التي ينطوي عليها هذا المشروع المُخلص بوضوح للإصلاح عن طريق التقليد.

الهجرة من هذه المناطق خلقت هذه المخاوف 

وفي أوروبا الوسطى والشرقية عموماً، أدَّت فورة الحماس الناتجة عن انهيار الشيوعية إلى خلق توقعات بأنَّ المزيد من التحسينات الجذرية باتت وشيكة الحدوث. 

واعتقد البعض أنَّ استقالة المسؤولين الشيوعيين من مناصبهم ستكون كافيةً ليستيقظ سُكَّان أوروبا الوسطى والشرقية في اليوم التالي داخل بلادٍ مُختلفة، وأكثر حرية، ورخاء على الطراز الغربي. ولكن حين فشل التغريب السريع في تحقيق التطلُّعات بطريقةٍ سحرية؛ بدأ حلٌّ بديل في اكتساب الأفضلية. وصار هجر الفرد لعائلته والسفر غرباً هو الخيار المُفضَّل للكثيرين.

المنطقة محل نزاع بين النفوذ الألماني والروسي/رويترز

وكان المُعارضون البولنديون مثلاً في وقتٍ من الأوقات يصمون المُهاجرين غرباً بخيانة الاستسلام والفرار، لكن تلك النظرة لم يَعُد لها معنى بعد عام 1989. 

إذ إنَّ الثورة التي جعلت من التغريب هدفها الأساسي، لن تستطيع تقديم حجة اعتراضٍ مُقنعة ضد الهجرة غرباً. 

فلماذا يجب أن ينتظر بولنديٌّ أو مجريّ حتى تصير بلاده مثل ألمانيا في يومٍ من الأيام، في حين أنَّه يستطيع بدء العمل وإنشاء عائلةٍ في ألمانيا غداً؟

وكانت التحوُّلات الديمقراطية داخل في المنطقة في أساسها شكلاً من أشكال الرحيل الجماعي غرباً، لذا كان الخيار المُتاح هو إما الهجرة بمفردك مُبكِّراً، أو جماعياً لاحقاً.

المفارقة أن المنتصرين في الثورة هم الذين رحلوا 

تُجبر الثورات الناس عادةً على عبور الحدود. إذ غادر النبلاء المهزومون بلادهم بعد الثورة الفرنسية عام 1789، وإثر استيلاء البلاشفة على السلطة في روسيا عام 1917. 

ولكن بعد عام 1989، كان المُنتصرون في الثورة المخملية هم من اختاروا الرحيل، وليس المهزومين. 

وهذا لأنَّ أكثر المُتحمِّسين لرؤية التغيير في بلادهم كانوا الأكثر شوقاً للانغماس في حياة المواطنين الأحرار، لذا كانوا أول المُسافرين من أجل الدراسة والعمل والعيش في الغرب.

ومن المستحيل مثلاً أن نتخيَّل تروتسكي يُقرِّر السفر للدراسة في جامعة أكسفورد بعد انتصار الثورة البلشفية. لكن هذا هو ما فعله فيكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري الحالي، والكثيرين غيره. 

وكان ثُوَّار عام 1989 شديدو الحماسة حيال السفر إلى الغرب، من أجل الاطلاع على شكل المجتمع الطبيعي الذي أملوا في بنائه داخل بلادهم على أرض الواقع.

وكان لهذا عواقب وخيمة

وكان لتدفُّق السُكَّان الهائل خارج المنطقة في أعقاب الحرب الباردة، خاصةً لأنَّ الكثير من الشباب كانوا أول المُصوِّتين بالرحيل، عواقب اقتصادية وسياسية ونفسية وخيمة. 

وحين تُغادر طبيبةٌ البلاد؛ تأخذ معها كافة الموارد التي استثمرتها الدولة في تعليمها، وتحرم بلادها من موهبتها وطموحها. والأموال التي ستُرسِلها إلى عائلتها في أرض الوطن بنهاية المطاف، لا يُمكن أن تُعوِّض خسارة مُشاركتها الشخصية في الحياة داخل وطنها الأم.

فقد خسرت الأحزاب الليبرالية ناخبيها

إلى جانب أنَّ الهجرة الجماعية للشباب والمُتعلِّمين أضرَّت جداً، وعلى نحوٍ خطير، بفُرص الأحزاب الليبرالية في تحقيق نتائج جيدة بالانتخابات. 

ويُمكن أن يُفسِّر خروج الشباب، في العديد من البلدان بطول المنطقة، أسباب وجود منتزهات وملاعب جميلة بُنِيَت بتمويلٍ من الاتحاد الأوروبي ولا يُوجد أطفالٌ يلعبون داخلها. 

ولا عجب أنَّ الأحزاب الليبرالية تُؤدِّي أفضل أداء في أوساط الناخبين الذين يُدلون بأصواتهم من الخارج. إذ انتُخِبَ كلاوس يوهانيس، الليبرالي من أصلٍ ألماني، رئيساً لرومانيا في عام 2014 مثلاً، لأنَّ الـ300 ألف روماني الذين يعيشون في الخارج صوَّتوا لصالحه بنسبةٍ كبيرة. 

وداخل دولةٍ هجرها غالبية الشباب؛ تكون فكرة بقائك في حدِّ ذاته كافية لتشعر بالفشل، بغض النظر عن مستوى أدائك الجيد.

فقد خلق هذا وَهْماً بأن المهاجرين سيحلون مكان السكان الأصليين

وتأخذنا قضيتا الهجرة إلى الخارج وخسارة السكان إلى أزمة اللجوء التي عصفت بأوروبا عامي 2015 و2016. وفي 24 أغسطس/آب 2015، قررت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل السماح لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين بالدخول إلى ألمانيا. 

ولم تمر سوى 10 أيام حتى أعلن حلف الفيشغراد -جمهورية التشيك، والمجر، وبولندا وسلوفاكيا- رفضه لنظام الحصص الذي وضعه الاتحاد الأوروبي لتوزيع استقبال اللاجئين بين دوله. إذ لم تقتنع دول أوروبا الوسطى والشرقية بخطاب ميركل الإنساني. وهو ما انعكس في تعليق ماريا شميت، مستشارة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، التي قالت: «أعتقد أنه مجرد هراء». 

كانت هذه هي اللحظة التي أصدر فيها الشعبويون من وسط أوروبا إعلان استقلالهم، ليس عن بروكسل فقط وإنما عن ليبرالية الغرب وروحه المنفتحة على العالم

وفسر هؤلاء الشعبويون، الذين يعمدون إلى إثارة الذعر بين الناس، أزمة اللاجئين على أنها دليلٌ قاطع على أنَّ الليبرالية تُضعِف قدرة الشعوب على الدفاع عن نفسها في عالم يتسم بالعدائية.                 

وصحيح أنَّ الذعر الديموغرافي، الذي اندلع في وسط أوروبا في الفترة بين 2015 و2018، تراجع حالياً إلى حد ما. لكن ما زلنا بحاجة إلى أن نسأل عن سبب وجود مثل هذه المادة السياسية المثيرة في أوروبا الوسطى والشرقية، بالرغم من أنه لا يصل إليها أية مهاجرون.

فهم يشعرون بأنهم مهددون بالانقراض 

السبب الأول، كما ذُكِر، هو الهجرة إلى الخارج. وما يغذي مشاعر القلق من الهجرة هو الخوف من أن يدخل إلى الدولة أجانب غير قابلين للاندماج في المجتمع، ويُضعِفوا الهوية الوطنية والانسجام بين الشعب. 

ويؤجج هذا الخوف أيضاً اهتمام دفين من تعرض البنية الديمغرافية للانهيار. فخلال الفترة من 1989 حتى 2017، عانت لاتفيا من نزيف سكاني طال 27% من شعبها، وليتوانيا بنسبة 22.5% وبلغاريا بنسبة تقارب 21%.

أما رومانيا، فنَزَح 3.4 مليون شخص من سكانها، غالبيتهم تحت سن الأربعين، إلى مناطق أخرى بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في 2007. 

ويمكن القول إنَّ مزيج ارتفاع شيخوخة السكان، ومعدلات الإنجاب المنخفضة، وتيار لا ينقطع من الهجرة للخارج، هو سبب الذعر المنتشر حول البنية الديمغرافية في أوروبا الوسطى والشرقية. فعدد الأشخاص الذين نزحوا من وسط وشرق أوروبا إلى دول غرب أوروبا على خلفية الأزمة المالية في 2018/ 2019 يفوق عدد اللاجئين الذين تدفقوا من سوريا إلى تلك المنطقة نتيجة الحرب هناك.                 

ولكنهم يتجاهلون المشكلة الحقيقية بالتركيز على رهاب الأجانب 

ويساعد مدى اتساع الهجرة المتدفقة بعد 1989 من أوروبا الوسطى والشرقية، والخوف الذي أشعلته من اختفاء بعض الأمم، في فهم رد الفعل شديد العدائية الذي انتشر في أنحاء المنطقة في مواجهة أزمة اللاجئين في 2015/ 2016، على الرغم من أنَّ القليل فقط من هؤلاء اللاجئين انتقلوا بعد وصولهم إلى القارة إلى دول أخرى في أوروبا الوسطى والشرقية. 

وقد نفترض أيضاً أنَّ السياسات المناهضة للهجرة في منطقة لا تستضيف مهاجرين تضرب مثالاً على ما يسميه بعض علماء النفس»الإزاحة«، وهي آلية دفاعية تمحو من خلالها العقول دون وعي تهديداً غير مقبول تماماً وتحل محله تهديداً آخر خطيراً لكن تسهل إدارته. إذ يمثل الهلع الدائر حول احتمال غزو مهاجرين غير موجودين للبلاد استبدالاً خطيراً لوهم (الهجرة) بالخطر الحقيقي (النزوح السكاني والانهيار الديموغرافي) الذين لا تستطيع مجتمعات أوروبا الوسطى والشرقية مواجهته.

ومن ثم، يتبين أنَّ الخوف من التنوع والتغيير، الذي أشعله المشروع الطوباوي لإعادة تشكيل مجتمعات بأكملها على طول الخطوط الغربية، يمثلان عاملين مساهمين مهمين في شعوبية أوروبا الوسطى والشرقية. وتفسر صدمة تدفق الأشخاص إلى خارج المنطقة ما قد يبدو في أي سياق آخر غامضاً؛ وهو الإحساس الجارف بالخسارة حتى في البلدان التي استفادت استفادةً كبيرة من التغير السياسي والاقتصادي بعد الشيوعية. 

ونفس الأمر ينطبق على جميع أنحاء أوروبا، فالمناطق التي عانت من أكبر نزيف للسكان في العقود الماضية هي أكثر المناطق ميلاً للتصويت لصالح الأحزاب اليمينية المتطرفة.

وها هم يحاولون إثناء شبابهم عن الرحيل لأوروبا الغربية 

إذ تبحث حكومات أوروبا الشرقية، التي يتملّكها الخوف من الانهيار الديموغرافي، عن وسائل تجعل مواطنيها الساخطين، خاصة الشباب، يتراجعون عن الانتقال إلى أوروبا الغربية.

فمن جانبه، يبدو أوربان أحياناً كما لو أنه يود تطبيق سياسة البلد المغلق من خلال الاستخدام القاسي لحق النقض القسري ضد هجرة المجريين إلى خارج البلاد أو استضافة لاجئين.

قادة دول المنطقة يتمردون على الاتحاد الأوروبي رغم استفادة بلدانهم منه/رويترز

لكن نظراً لأنه لا يمتلك أية وسيلة لتحقيق ذلك، فقد اضطر للتحول إلى استجداء الشباب المجري لعدم الانتقال لدولٍ أخرى. لكن كيف سيقتنع الشباب المجري بأنهم لن يجدوا وطناً أفضل في أوروبا الغربية، لا سيما وأنَّ سياسات أوربان تدمر غالبية فرص الاستمتاع بمعيشة مجزية ومبدعة داخل البلاد؟

يبدو أنَّ الشعبويين في بولندا والمجر حولوا أزمة اللاجئين في أوروبا الغربية إلى فرصة دعائية في أوروبا الشرقية

ولكن هذا التخويف من الأجانب لن يغير من الأمر شيئاً

ولكن الواقع أن المواطنين في أوروبا الشرقية لن يتوقفوا عن النزوح إلى غرب القارة إلا إذا فقد هذا الجزء جاذبيته. 

ويمكن النظر إلى انتقاد أوروبا الغربية وإعلان مؤسساتها بأنها نموذج «غير جدير بالحذو» على أنه انتقام وهمي مدفوع بمشاعر السخط. 

ومع ذلك، فله ميزة جانبية تتمثل في خدمة الأولوية السياسة القصوى في المنطقة؛ ألا وهي المساعدة على تثبيط الهجرة من شرق القارة إلى غربها. 

وفي هذا السياق، وجّه الشعبويون انتقادات حادة للطريقة التي رحبت بها أوروبا الغربية بالأفارقة والشرق أوسطيين. لكن شكواهم الحقيقية هي أنَّ الأعضاء الغربيين في الاتحاد الأوروبي فتحوا أبوابهم مرحبين لمواطني أوروبا الوسطى والشرقية؛ ما حرمها من مواطنيها الأعلى إنتاجية.

والشعبويون في هذه المنطقة يرون أنهم الأوروبيون الحقيقيون؟

وتقودنا هذه المناقشة برمتها إلى فكرة جوهرية عن الليبرالية المعاصرة. فخلافٌ للعديد من المُنظّرين المعاصرين، فالغضب الشعبوي موجه بشكل أقل للتعددية الثقافية منه إلى النزعتين الفردية والكوّنية. 

وهذه نقطة مهمة من الناحية السياسية لأنها، إذا تم قبولها، تعني أنَّ الشعوبية لا يمكن محاربتها بالتخلي عن التعددية الثقافية باسم الفردية والكونية.

فمن منظور الديمقراطيين غير الليبراليين في أوروبا الشرقية والوسطى، التهديد الأخطر الذي يواجهه بقاء الأغلبية المسيحية البيضاء في أوروبا يكمُن في عجز المجتمعات الغربية عن الدفاع عن نفسها؛ لأنَّ النزعتين الفردية والكوّنية الغالبتين تعميهما عن التهديدات التي يواجهونها.

أما الديمقراطية غير الليبرالية فتتعهد بإزالة الغشاوة عن أعين المواطنين. فإذا كان الإجماع حول الليبرالية في التسعينيات مدفوعاً بالحقوق القانونية والدستورية الفردية، فإنَّ الإجماع المعادي لليبرالية اليوم يرجع إلى مزاعم أنَّ حقوق الأغلبية المسيحية البيضاء المُهددة أصبحت في خطر مميت.

ولحماية الهيمنة الهشة لهذه الأغلبية المحاصرة من التحالف الخبيث بين بروكسل وإفريقيا، تذهب هذه النظرية إلى أنَّ الأوروبيين بحاجة إلى تبني سياسة هوية قوية أو خصوصية جماعية تعبر عنهم والتخلي عن النزعتين الفردية والكوّنية المُوهِنة اللتين فرضهما عليهم الليبراليون.

وهذا هو المنطق الذي استغله أوربان وزعيم حزب العدالة والقانون في بولندا، ياروسلاف كاتشينسكي، في سبيل إذكاء مشاعر القومية وكراهية الأجانب لدى مواطنيهم.

ولا يقتصر أقصى انتقام تخططه أوروبا الوسطى والشرقية ضد الليبرالية الغربية على مجرد رفض فكرة تقليد أوروبا الغربية، بل تمتد إلى قلب هذه الفكرة. 

إذ يزعم أوربان وكاتشينسكي مراراً وتكراراً أنَّ شعوب أوروبا الوسطى والشرقية هم الأوروبيون الحقيقيون، وإذا كانت الدول الغربية ترغب في إنقاذ نفسها، فسيتعين عليها تقليد الشرق. 

مثلما قال أوربان في خطاب ألقاه في يوليو/تموز 2017: «منذ سبعة وعشرين عاماً هنا في أوروبا الوسطى، اعتقدنا أنَّ أوروبا هي مستقبلنا؛ لكن اليوم نشعر أننا نحن مستقبل أوروبا».

scroll to top